النص هو الثاني دون الأول ، عليه سياق الآية :
رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا
[ البقرة : 286 ] .
ألا ترى أنك إذا رأيت الدابة حملت حملا ثقيلا تقول جعلت فوق الطاقة .
وقالتا خبرا [ 28 ] عن المصطفى
رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ
[ البقرة :
286 ] . فلو كان الأمر قدر الطاقة ، لا يجوز هذا السؤال منه كما قال : لا تظلمنا ولا تجر علينا .
قلنا : سؤال النبي صلّى اللّه عليه وسلم كان على سبيل التخفيف ، لا على سبيل الطاقة أصلا ، دليله ما ذكرنا :
وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا
.
فثبت أن تعلقهم بهذه الآية من قلة العقل والوغادة ، أي سوء الخلق . فالجملة في ذلك أن المكلف به لا يخلو إما أن يكون محالا في نفسه كالجمع بين الضدين ، وتحصيل الجسمين في مكان واحد ، ونحو ذلك ، أو يكون جائزا في نفسه إلا أن العبد لا يقدر عليه كتدلى الجبل ، والطيران في الهواء ، ونحو ذلك .
فإن كان الأول لا يجوز التكليف « 1 » به أصلا ؛ لأنه محال في نفسه ، فكان تكليفه
هامش
( 1 ) وشروط التكليف التي اتفق عليها علماء الأصول باستقراء الكتاب والسنة هي :
1 - أن يكون المكلف قادرا على فهم ما كلف به بمعنى تصور الفعل ولا يشترط أن يفهم الخطاب أو دليل الفعل فهما تاما ، فهذا الفهم هو تصور الفعل بأن يفهم من الخطاب القدر الّذي يتوقف عليه الامتثال لا بمعنى التصديق ؛ لأن التكليف معناه استدعاء حصول الفعل على قصد الامتثال لا على قصد التصديق ؛ لأن الكافر يستطيع الامتثال ولا يمتثل لعدم التصديق .
ويخرج من هذا الشرط ما أبهمه الشارع ولا يصح عرضه على العقل لقصوره فلا يمتثل المكلف للخطاب ريبة أو نكرانا وكلاهما كفر .
2 - أن يكون المكلف أهلا للتكليف بمعنى صلاحية الإنسان لوجوب الحقوق المشروعة له وعليه ، وصدور التصرفات منه على وجه يعتد به شرعا ، وعدم توقفها على رأى غيره ، وهي أهلية أداء كاملة للبالغ الرشيد الّذي تصح منه جميع الالتزامات سواء له أو عليه ، وتترتب على أقواله وأفعاله الآثار إلا إذا اعترضه عارض ، والكلام عن الأهلية والعوارض طويل ليس هنا موضعه .
3 - أن يكون المكلف غير مكره على ما كلف به ، فإن أكره كافر على الإيمان بالله والامتثال لأوامره لم يصح منه فعل الإيمان ويأثم الحامل لقوله تعالى :لا إِكْراهَ فِي الدِّينِوقوله تعالى :وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ. -