وكذا الإيمان نور كامل لا ينقص منه شيء لأنه لو نقص منه شيء ؛ لسكن في موضعه ظلمة الكفر ، فكيف يجوز أن يكون الشخص الواحد مؤمنا وكافرا في حالة واحدة ؟ فالمؤمن مؤمن حقا والكافر كافر حقا ، فليس في الإيمان شك وأيضا ليس في الكفر شك لقوله تعالى :
أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا
[ الأنفال : 4 ] . و
أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا
[ النساء : 151 ] .
وعامة أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلم من أهل التوحيد كلهم مؤمنون حقا ، العاصون منهم وليسوا بكافرين .
والناس إنما يتفاضلون بعضهم بالأعمال واليقين لا بالإيمان ، فمن آمن بما أنزل جبريل عليه السلام إلى محمد صلّى اللّه عليه وسلم كان مؤمنا وإن كان عاصيا ولا ينقص إيمانه بعصيانه ولا يكفر بكبائره .
ومن قال لا يكفر ولكن بفسقه يخرج من الإيمان وله منزلة بين الكفر والإيمان كان معتزليا . ولا يجوز لأحد أن يقول إيماننا خير من إيمان الملائكة ؛ لأن الله تعالى أعطاهم العقل ولا يعطيهم الشهوة والفرائض ، وأعطانا العقل والشهوة والفرائض فإذا أدينا الفرائض كان إيماننا خيرا من إيمانهم .
فهذا القول بدعة ؛ لأن النبي صلّى اللّه عليه وسلم دعا الناس سنين أو عشر [ 33 ] سنين إلى الإيمان فقال : « من قال لا إله إلا الله خالصا مخلصا دخل الجنة » « 1 » .
ثم جاء الأمر ببعض الطاعة فمن مات في تلك السنين مات بإيمان تام أم ناقص ؟ فإن قال : مات مع إيمان تام فقد أقر أن الإيمان تام إيمان واحد ، وقد دعا الناس على إيمان تام .
وإن قال : مات مع إيمان ناقص فقد حكم أنه من أهل النار ؛ وقد أقر على أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قد دعا الناس على إيمان ناقص فهذا خطأ عظيم ؛ لأن النبي صلّى اللّه عليه وسلم دعا إلى إيمانه لا
هامش
( 1 ) أخرجه أحمد في مسنده : ( 5 / 228 ، 229 ، 230 ، 232 ، 236 ) من طرق عن معاذ قال في إحداها :
« ألا أخبر كم بشيء سمعته من رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم لم يمنعني أن أحدثكموه إلا أن تتكلوا ، سمعته يقول : « من شهد أن لا إله إلا الله مخلصا بها قلبه أو يقينا من قلبه لم يدخل النار أو دخل الجنة » وقال مرة : « دخل الجنة ولم تمسه النار » .
وإسناده صحيح على شرط الشيخين وأورده الألبانى في : « السلسلة الصحيحة » : ( 3 / 298 ) .