لقام به البقاء فيؤدى إلى قيام العرض بالعرض « 1 » وإنه محال .
والثاني : أن القدرة لو كانت باقية إلى وقت وجود الفعل لما تصور زوالها وفناؤها ؛ لأنها لو كانت باقية لكانت باقية باعتبار ذاتها لا بمعنى آخر ؛ لأن ذاتها يوجب بقاءها ، فثبت أنها تحدث عند مقارنة الفعل بخلق الله تعالى .
قالت القدرية ، والمعتزلة ، والكرامية : استطاعة الفعل سابقة على الفعل ، يعنى قبل الفعل وهي موجودة في العبد استعملها كيف يشاء .
وقال بعضهم : الاستطاعة ليست إلا واحدة وهي سلامة الآلات وصحة [ 26 ] الأسباب .
فقلنا : هذا يوجب استغناء العبد عن ربه حيث يختار لنفسه ما شاء والاستغناء عن الله تعالى كفر ؛ لأنه لو كان قبله يكون العبد مستغن عن ربه ، فلله الاستغناء ، قال الله تعالى :
وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ
[ محمد : 38 ] .
وقالت الجبرية : بعده .
فقلنا : لو كان بعده لاستحال حصول الفعل به لاستطاعته فالعبد أعطى قوة العمل وكلف بذلك حتى يلزم الحجة ، ولم يعط قوة التوفيق ؛ لأن التوفيق صفة الرب تعالى .
وأما استطاعة الحال : وهي التي من جهة الصحة والتمكن وسلامة الأسباب والآلات يعنى الأعضاء السليمة والأسباب الصالحة فهي تتقدم قبل الفعل « 2 » ، وهي المراد من قوله تعالى :
وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا
[ آل عمران : 97 ] .
وقوله تعالى :
فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً
[ المجادلة : 4 ] . وقوله :
لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ
[ التوبة : 42 ] وصحة التكليف يعتمد على هذه الاستطاعة ،
هامش
( 1 ) لأن الأعراض لا تقوم بنفسها بل تقوم بغيرها لذا استحال المؤلف قيامها ببعضها ، لأنها لا تقوم إلا فيما يقوم بنفسه وهي الأجسام ، وسيأتي معنى العرض والجسم والجوهر بشيء من التفصيل في موضعه إن شاء الله .
( 2 ) مذهب المؤلف هو مذهب كثير من علماء أهل السنة . انظر : الملل والنحل لابن حزم 3 / 21 ، واعلم أنه إذا وجدت تلك الاستطاعة بصاحبها صار محجوجا بها لوجود شروط الفعل وانتفاء موانعه والله أعلم .