وإذا قضى بالشدة فعليه أن يستقبله بالصبر والرضا ، حتى يعطيه الله تعالى كرامة الآخرة لقوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ
[ البقرة : 153 ] .
وقال تعالى :
إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ
[ الزمر : 10 ] .
ثم إذا وقع في المعصية يرى قضاء الوقوع من الله عدلا لا جورا ، ولا يرضى من نفسه الوقوع فيه فيتوب ويستغفر ؛ لأن الجبري لا يرى الملامة من نفسه ، والقدري لا يرى عدلا ، والمعتزلة لا يرى المغفرة بغير توبة .
فإذا رأيت الوقوع من الله تعالى عدلا فقد تبرأت من القدري ، وعلمت هذه الآية :
كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
[ النساء : 78 ] .
وإذا استوجبت الملامة لنفسك فقد تبرأت [ 65 ] من الجبري وعلمت هذه الآية :
رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا
[ الأعراف : 23 ] .
وإذا ثبت منه واستغفرت ربك فقد تبرأت [ 65 ] من المعتزلة وعلمت هذه الآية :
اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً
[ نوح : 10 ] .
وإن قالوا نحن ما ننفى المشيئة ، ولكن نقول : المشيئة على نوعين : جبر ، ومشيئة تفويض .
مشيئة الجبر كخلق السماوات والأرض وما بينهما ، ومشيئة التفويض قوله تعالى :
وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ
[ النحل :
93 ] . وقوله « شاء » مشيئة جبر لو شاء لجبركم على الإسلام ولكن يضل من يشاء مشيئة تفويض ، هذا اعتقاد القدرية العدلية الملعونة .
قلنا : العجب من ترهاتكم وو عادتكم حيث قسمتم مشيئة الله على قسمين كأنكم شركاء الله ، تعالى عن ذلك علوا كبيرا ، ثم نريكم قبح هذه المقالة : إن الرجل إذا خير إنسانا بين أمرين وفق العمل بين طريقين يعنى الخير والشر ، فإذا اختار الشر كان معذورا .
أجعلتم العباد معذورين في ارتكاب المعاصي ، وإذا اختار الخير يكون له منة على المفوض ، والمخير إذا جعلتم للعباد منة على الله تعالى ، ولا يتعلق الخصم بقوله تعالى :
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
[ الذاريات : 56 ] .