فإذا ثبت أن الباري سبحانه وتعالى خلق أفعال العباد ، وأنه يستحيل أن يكون العبد موصوفا بكونه خالقا لأفعاله لوجهين :
أحدهما : أن من شرط التخليق ثبوت العلم للخالق بالمخلوق ، والعبد لا علم له بنفس الأحداث ، والاختراع ، وماهية المخترع في ذاته ، وكيفية فعله ، وصفته من كونه عرضا وصفة ، والقدر الّذي يشغل من المكان عند تحريك يده ، والقدر الّذي يشغل من الزمان ، وعدة [ 60 ] الحركات التي توجد منه والأنفاس التي تخرج منه ، والكلمات التي تحصل منه من نطقه وحروفها ، ومن لا علم له بهذه الأشياء كيف يقدر على الإيجاد والخلق ؟ .
والثاني : أن العبد لو كان قادرا على الإيجاد والخلق يقع فعله على الوجه الّذي قصده ، فإن الكافر يقصد إيقاع الكفر حسنا وطاعة ، ويقع كفرا ومعصية .
وكذلك الماشي يقصد المشي غير متعب وشاق على البدن ، ويقع متعبا وشاقا ، وكذلك الآكل يقصد إيقاعا نافعا غير مضر ، ويقع مضرا ، فلو كان العبد هو الموجد لفعله أوقع فعله على الوجه الّذي قصده .
ولا يقال : بأن أفعال العباد إذا كانت مخلوقة بخلق الله تعالى ، ومن أفعالهم الكفر والمعصية والزنا والسرقة ، فيكون الفاعل بهذه الأفعال هو الله تعالى ، وهو الموصوف بها ، والله هو المستحق ترجع إليه وهو كفر صريح .
قلنا : هذه الأفعال مخلقة بخلق الله ، لا أن يكون فعلا له ؛ لأن فعل الله تعالى قائم به ، فكان الكافر والعاصي والزاني هو العبد الفاعل دون الخالق ؛ لأن الكافر من كان الكفر فعلا له لا من كان الكفر مخلوقا له .
وخالفنا المعتزلة : فبعضهم قالوا بأن العبد محدث [ 61 ] وموجد ، وليس بخالق لما يطلقون اسم المحدث ، والموجد دون الخالق .
وبعضهم قالوا : هو خالق لأفعاله ؛ لأن الإيجاد والإحداث والخلق كلها عبارات بمعنى واحد ، فإذا جاز لفظ المحدث والموجد على العبد جاز إطلاق اسم الخالق عليه .
وقد ذكرنا الدلائل على بطلان قولهم ، فإذا ثبت أن للعبد أفعالا صاروا بها عصاة ومطيعين ، وهي مخلوقة للّه تعالى ، فتعلق الثواب والعقاب بفعلهم وقت تخليقها للّه تعالى .
شرح بدء الأمالي — صفحة 112
مساهمون: أحمد بن علي الرازي
ص١١٢