وقالت المجبرة : لا فعل للعبد على الحقيقة ، ولا اختيار له أصلا ، بل أفعال العباد مخلوقة بخلق الله تعالى ، وإضافة الفعل إلى العبد بطريق التوسع والمجاز بمنزلة إضافة إلى المحل ، كما يقال : طال الثياب ، وابيض الثلج ، وتحرك الشجر ، ومات زيد .
دليلنا : أن للخلق أفعالا وهو أكسابهم قوله تعالى :
وَافْعَلُوا الْخَيْرَ
[ الحج : 77 ] .
وقوله :
فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ
[ الشورى : 30 ] .
وقوله :
كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ
[ المدثر : 38 ] .
وقوله :
اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ
[ فصلت : 40 ] .
وقوله :
جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ
[ السجدة : 17 ] .
وقوله :
مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها
[ الجاثية : 15 ] . ونظائرها كثيرة .
أثبت لهم العمل لفعلهم اسم العمل والكسب ، فثبت أن للخلق أفعالا ، ولأنه أمر [ 62 ] ونهى قابلهما بالوعد والوعيد .
ومحال الأمر بالفعل بما لا فعل للمأمور ، والنهى عنه بما لا فعل للمنهى عنه ، وهو أن فعل الفاعل ما تحت قصده وإرادته ، وداعية ، ويمتنع دخوله تحت كراهية وصارفة .
وهذا تمام في أفعال العباد فكانت فعلا لهم ؛ لأن العقلاء يسمون العبد : مؤمنا أو كافرا أو مطيعا أو عاصيا ، فلو لم يكن للعبد فعل لما سموه بذلك ، ولأضافوا الفعل إلى الله تعالى .
فثبت للعبد أفعال هي مخلوقة للّه تعالى ، فيصح إضافته إليهم ، ولم يصر العبد بخلق الله الفعل مجبورا مضطرا لما أنه خلق الاختياري ، فلم يصر به ضروريا ودلالته أن للعبد فعلا اختياريا ، إنا نجد تفريقه بين حركة الصحيح وحركة المرتعش .
فثبت بمجموع هذه الدلائل أن دخول مقدور تحت قدرتين : أحدهما قدرة الاختراع ، والأخرى قدرة الاكتساب جائز ، وإنما امتنع دخوله تحت قدرتين كل واحدة قدرة الاختراع والاكتساب .
وقد ثبت أن أفعال العباد مخلوقة للّه تعالى ، وكذا التولد من فعل العبد مخلوق للّه