القائلين بالمعاد الجسماني فقط ثم شرع في بيان مذهب القائلين بالمعاد الروحاني فقط بقوله
المقصد الثالث في حكاية مذهب الحكماء المنكرين لحشر الأجساد في أمر المعاد
) الروحاني الّذي هو عندهم عبارة عن مفارقة النفس عن بدنها واتصالها بالعالم العقلي الذي هو عالم المجردات وسعادتها وشقاوتها هناك بفضائلها النفسانية ورذائلها ( قالوا النفس الناطقة لا تقبل الفناء ) أي العدم بعد وجودها وذلك ( لأنها بسيطة ) لما مر في مباحث النفس ( وهي موجودة بالفعل فلو قبلت الفناء لكان للبسيط ) الّذي هو النفس حال كونها موجودة ( فعل ) بالنسبة إلى وجودها ( وقوة ) أي قابلة بالنسبة إلى فنائها وفسادها ( وانه محال لان حصول أمرين متنافيين لا يكون الا في محلين متغايرين وهو ينافي البساطة ) وتلخيصه ان الموجود بالفعل لا يكون هو بعينه متصفا بقابلية فنائه وفساده لان القابل يجب بقاؤه مع حصول المقبول ولا بقاء لذلك الموجود مع الفناء والفساد فبين وجود شيء بالفعل وقابلية فنائه منافاة فلا يجتمعان في بسيط فلو اجتمعا في النفس الناطقة لكانت مركبة من جزءين يكون أحدهما قابلا لفسادها بمنزلة المادة في الأجسام فان قيل هي قبل حدوثها معدومة بالفعل وقابلة للوجود ولا يمكن اجتماعهما بمثل ما ذكرتموه ولم يلزم من ذلك تركبها قلنا لان المصنف بقابلية وجودها هو المادة البدنية الحاصلة عند حدوثها فلا حاجة إلى اثبات مادة لجوهر النفس بخلاف ما نحن فيه وإذا لم تقبل
شرح
الجسم الأول ويورد فيه الروح وهو قول كثير من المسلمين وأكثر النصارى إلى هاهنا كلامه فتأمل ( قوله لان القائل يجب بقاؤه مع حصول المقبول ) ليكون متصفا به يرد عليه انا لا نسلم الوجوب فإنه ليس معنى قبول الشيء للفناء والفساد ان ذلك الشيء يبقى متحققا ويحل فيه الفناء والفساد على قياس قبول الجسم للاعراض الحالة فيه بل معناه ان ذلك الشيء ينعدم في الخارج بطريان الفساد والفناء نعم يجوز الاجتماع في الذهن بمعنى انه يجوز ان يحصل الشيء في الذهن ويتصور العدم الخارجي قائما به لكن لا يلزم منه اجتماع المتنافيين ( قوله بخلاف ما نحن فيه ) تحقيق الفرق على ما حرر بعض الأذكياء ان كون الشيء محلا لاستعداد وجود ما هو مباين القوام أو لاستعداد عدمه غير معقول بل الشيء انما يكون محلا لاستعداد وجود ما هو متعلق القوام به أي مستعد الوجود له ومحلا لاستعداد فنائه أي مستعدا لعدمه عنه فالنفس الناطقة وان كانت مجردة في ذاتها لكنها متعلقة بالبدن تعلق التدبير والتصرف لاستحصال كمالاتها بواسطته فيكون البدن محلا لاستعداد تعلقها به وتصرفها فيه ولما توقف تعلقها به على وجودها في نفسها كان هذا الاستعداد منسوبا أولا وبالذات إلى تعلقها وثانيا وبالعرض إلى وجودها في نفسها فهذا الاستعداد كاف لفيضان الوجود عليها متعلقة به ولا حاجة في ذلك إلى استعداد منسوب أولا وبالذات إلى وجودها في نفسها ليمتنع قيامه بالبدن لأنها من حيث وجودها في نفسها مباينة له والشيء لا يكون مستعدا لما هو مباين له وكما جاز ان يكون البدن محلا لاستعداد تعلقها به كذلك يجوز أن يكون محلا