يقال ( حد المعجز منه ) أي من هذا الاخبار ليس مجهولا كما ذكرتم بل هو معلوم ( تقضي به العادة ) وهو أن يكثر كثرة خارجة عن المعتاد المتعارف فيما بين أهل العرف ( و ) لا شك انه ( قد بلغ ) الاخبار بالغيب ( في القرآن ذلك المبلغ ) الخارق للعادة ( ولسنا الآن لتفصيله ) إذ يكفينا العلم به اجماعا ( وبه ) أي بما ذكرناه في جواب هذه الشبهة ( خرج جواب الشبهتين ) الأخيرتين أما عن الثانية فبأن يقال اخبار المنجمين والكهنة لم يبلغ ذلك المبلغ واخبارهم عن الكسوف والخسوف من باب الحساب الذي قلما يقع الغلط فيه لا من قبيل الاخبار بالغيب وأما عن الثالثة فبأن يقال يكفينا في اثبات النبوة اشتمال القرآن على ما هو خارق للعادة ولا يضرنا عدم اشتمال بعضه عليه فان ذلك البعض ليس بمعجز عند هذا القائل ( سلمنا ) انه لا اعجاز في الاخبار بالغيب ( لكن لم يجوز أن يكون المعجز ما انتفى عنه الاختلاف * وأما الشبه ) الموردة عليه ( فالجواب عن الأولى ان ما في القرآن ليس بوزن الشعر انما يصير إليه بتغير ما من اشباع أو زيادة أو نقصان ) وإذا غير بشيء من ذلك خرج عن أسلوب القرآن ( ثم إن الشعر ما قصد وزنه وتناسب مصاريعه واتحاد رويه و ) ما ذكروه من القرآن وان
شرح
يدعى ان سحر سحرة فرعون كان تخييلا وتوهيما ( قوله ليس بمعجز عند هذا القائل ) كيف لا يعجز وقد قال اللّه تعالىفَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِوقال اللّه تعالىفَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِلكن ورود الالزام من جهة أخرى لا يضر في هذا المقام كما أشرنا إليه فليتأمل ( قوله ان ما في القرآن ليس بوزن الشعر ) فان قلت فيه تناقض من وجوه أخر منها ان بين قوله تعالىفَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّوقوله تعالىوَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَوبين قوله تعالىفَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَوقولهفَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَتناقض قلت شرط التناقض اتحاد الزمان والمكان واتحاد الغرض وغير ذلك وقد عرف بقوله تعالىفِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍان يوم القيامة مقداره ذلك وعرف بالاخبار انه مشتمل على مقامات مختلفة فإذا احتمل أن يكون السؤال في وقت من أوقات يوم القيامة ولا يكون في آخر أو في مقام من مقاماته ولا يكون في آخر أو بقيد من القيود كالتوبيخ أو التقرير أو غير ذلك مرة وبغير ذلك القيد أخرى لم يتحقق التناقض وبمثل هذا الجواب يندفع ما توهم من التناقض بين قوله تعالىفَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَوبين قوله تعالىوَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَوقوله تعالىيَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِهاوقوله تعالىيَوْمُ لا يَنْطِقُونَ وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَوأمثال هذه الآيات وأما توهم التناقض بين قوله تعالىلَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍوقوله تعالىوَلا طَعامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍفمدفوع بان الآيتين في حق الطائفتين من أهل النار أعاذنا اللّه تعالى منها ( قوله ثم أن الشعر ما قصد وزنه إلى الخ ) المراد بقصد الوزن ان يقصد ابتداء ثم يتكلم مراعى جانبه لا ان يقصد المتكلم المعنى وتأديته بكلمات لائقة من حيث الفصاحة في تركيب تلك الكلمات الموجب للبلاغة فيستتبع ذلك كون الكلام موزونا أو ان يقصد المعنى ويتكلم بحكم العادة على مجرى كلام الأوساط فيتفق ان يأتي موزونا كذا