امتنع عليه ) تعالى ( الكذب ) ووجب أن يكون كلامه صدقا فصدق النبي انما يعرف بصدق اللّه تعالى ( فيلزم الدور ) إذا ثبت صدقه تعالى بصدق النبي كما فعلتم ( قلنا التصديق بالمعجزة ) كما مر فهو تصديق فعلى لا قولي ودلالتها على التصديق دلالة عادية لا يتطرق إليها شبهة كما ستقف عليه واعلم أن للمصنف مقالة مفردة في تحقيق كلام اللّه تعالى على وفق ما أشار إليه في خطبة الكتاب ومحصولها ان لفظ المعنى يطلق تارة على مدلول اللفظ وأخرى على الامر القائم بالغير فالشيخ الأشعري لما قال الكلام هو المعنى النفسي فهم الأصحاب منه ان مراده مدلول اللفظ وحده وهو القديم عنده وأما العبارات فإنما تسمى كلاما مجاز لدلالتها على ما هو كلام حقيقي حتى صرحوا بأن الالفاظ حادثة على مذهبه أيضا لكنها ليست كلامه حقيقة وهذا الذي فهموه من كلام الشيخ له لوازم كثيرة فاسدة كعدم اكفار من أنكر كلامية ما بين دفتي المصحف مع أنه علم من الدين ضرورة كونه كلام اللّه تعالى حقيقة وكعدم المعارضة والتحدي بكلام اللّه تعالى الحقيقي وكعدم كون المقروء والمحفوظ كلامه حقيقة إلى غير ذلك مما لا يخفى على المتفطن في الاحكام الدينية فوجب حمل كلام الشيخ على أنه أراد به المعنى الثاني فيكون الكلام النفسي عنده أمرا
شرح
ما تقرر عندهم من امتناع الكذب فيه فليتأمل ( قوله فهو تصديق فعلى الخ ) اعترض عليه بأن التصديق الفعلي انما ينتهض حجة إذا لم يجوز النقص في فعله تعالى ولا فرق بينه وبين القبح العقلي كما مر آنفا فلا يتم ذلك الاستدلال أيضا الا مع القول بثبوت القبح العقلي وحينئذ فليتمسك ابتداء بما قال المعتزلة اسقاطا لكثرة المؤنات وأخذا بالأسهل وجوابه ان حجية التصديق الفعلي معلومة بحسب العادة سواء حوز النقص في الفعل أم لا الا ترى ان قوما إذا اجتمعوا عند ملك عظيم من ملوك الدنيا ثم قام واحد منهم وقال أيها الناس انى رسول هذا الملك إليكم ثم قال أيها الملك ان كنت صادقا فيما قلته فخالف عادتك في القيام والقعود فإذا فعل الملك ذلك اضطر الحاضرون إلى العلم بكونه صادقا ولا يخطر ببالهم عدم جواز النقص في فعله قطعا كيف ولا شك في الجواز في هذه الصورة أصلا ( قوله كعدم اكفار من انكر كلامية ما بين دفتي المصحف ) واعلم أن اكفار منكرها انما هو إذا اعتقد انه ليس كلام اللّه تعالى بمعنى انه ليس صفة قائمة به بل هو دال على ما هو صفة حقيقية قائمة به جل وعلا وهو من مبدعات اللّه تعالى ومخترعاته بأن أوجده في لسان الملك أو لسان النبي عليهما السلام وأوجد نقوشا دالة عليه في اللوح المحفوظ فليس من الكفر في شيء بل هو مذهب أكثر الأشاعرة فلا ينبغي أن يتوهم كونه كفرا ( قوله فيكون الكلام النفسي عنده أمرا شاملا للفظ والمعنى ) اعترض عليه بأن كلام اللّه تعالى ان كان اسما لذلك الشخص القائم بذاته تعالى يلزم أن لا يكون ما قرأناه كلامه تعالى بل مثله واللازم باطل للقطع بأن ما يقرأه كل واحد منا وهو الكلام المنزل على النبي عليه الصلاة والسلام بلسان جبرائيل عليه السلام وان كان اسما لنوع القائم يلزم أن يكون اطلاقه على ذلك الشخص بخصوصه مجازا فيجوز نفيه عنه حقيقة وان جعل من قبيل كون الموضوع له خاصا والوضع عاما