الحادِيَةَ عَشرَةَ : النَّجاةُ مِنَ النّارِ ، قالَ اللَّهُ تَعالى : « وَيُنَجّي اللَّهُ الَّذينَ اتَّقَوا » .
الثّانِيَةَ عَشرَةَ : الخُلودُ فِي الجَنَّةِ ، قالَ تَعالى : « أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ » .
فَقَد ظَهَرَ لَكَ أنَّ سَعادَةَ الدّارَينِ مُنطَويَةٌ فيها ومُندَرِجَةٌ تَحتَها ، وهِيَ كَنزٌ عَظيمُ وغُنمٌ جَسيمٌ وخَيرٌ كَثيرٌ وفَوزٌ كَبيرٌ ، ولَقَد أجادَ الشّاعِرُ حَيثُ يَقولُ :
إذا آلَ حالُكَ ذا ضيقةٍ * ويَقصُرُ رِزقُكَ عَمّا يَجِب
فَراقِب تُقَى اللَّهِ سُبحانَهُ * يَنَلكَ الأَمانِيُّ كَما تَرتَقِب
ومَن يَتَّقِ اللَّه يَجعَل لَهُ * ويَرزُقهُ مِن حَيثُ لايَحتَسِب
اعلَم أنَّ في آدابِ التَّعَلُّمِ اموراً نُشيرُ مِنها إلى مَا استَعمَلَهُ مُوسى مَعَ الخَضِرِ عليه السلام في قَولِه تَعالى :
« هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلّمَنِ مِمَّا عُلّمْتَ رُشْدًا » ، فَقَد دَلَّت عَلى اثنَتَي عَشرَةَ فائِدَةً مِن فَوائِدِ الآدابِ :
الأَوَّلُ : جَعَلَ نَفسَهُ تَبَعاً لَهُ لِمُقتَضَى انحِطاطِ المَنزِلَةِ فِي جانِبِ المَتبوعِ .
الثّاني : الاستيذانُ بِهَل ، أي هَل تَأذَنُ لي فِي اتِّباعِكَ ، وهُوَ مُبالَغَةٌ عَظيمَةٌ فِي التَّواضُعِ .
الثّالِثُ : تَجهيلُ نَفسِه وَالاعتِرافُ لِمُعَلِّمِه بِالعِلمِ لِقَولِه : « عَلى أَنْ تُعَلِّمَني » .
الرّابِعُ : الاعتِرافُ لَهُ بِعِظَمِ النِّعمَةِ بِالتَّعليمِ ؛ لأِنَّهُ طَلَبَ مِنهُ أن يُعامِلَهُ بِمِثلِ ما عامَلَهُ اللَّهُ تَعالى بِه ، أي يَكونُ إنعامُكَ عَلَيَّ كَإِنعامِ اللَّهِ تَعالى عَلَيكَ ، ولِهذَا المَعنى قيلَ : أنا عَبدُ مَن تَعَلَّمتُ مِنهُ . وقالَ أيضاً : مَن عَلَّمَ إنساناً مَسأَلَةً مَلَكَ رِقَّهُ .
الخامِسُ : أنّ المُتابَعَةَ عِبارَةٌ عَن الإِتيانِ بِمِثلِ فِعلِ الغَيرِ لِكَونِه فِعلَهُ لا لِوَجهٍ آخَرَ ، ودَلَّ ذلِكَ عَلى أنَّ المُتَعَلِّم يَجِبُ عَلَيه مِن أوَّلِ الأمرِ التَّسليمُ وتَركُ المُنازَعَةِ .
السّادِسُ : الإِتيانُ بِالمُتابَعَةِ مِن غَيرِ تَقييدٍ بِشَيءٍ ، بَل اتِّباعاً مُطلَقاً لايُقَيَّدُ عَلَيه فيه بِقَيدٍ ، وهُوَ غايَةُ التَّواضُعِ .
السّابِعُ : الابتِداءُ بِالاتِّباعِ ، ثُمَّ بِالتَّعليمِ ، ثُمَّ بِالخِدمَةِ ، ثُمَّ بِطَلَبِ العِلمِ .
الثّامِنُ : أنَّهُ قالَ : « هَلْ أتَّبِعُك عَلى أنْ تُعَلّمني » أي لَم أطلُب عَلى تِلكَ المُتابَعَةِ إلَّاالتَّعليمُ ، كَأَنَّهُ