تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المواعظ العددية — صفحة 140

مساهمون:

ص١٤٠
فَتُكرِمَها وتَرفُقَ بِها ، وإن كانَ حَقُّكَ عَلَيها أوجَبَ فَإِنَّ لَها عَلَيكَ أن تَرحَمَها لأِنَّها أسيرُكَ ، وتُطعِمَها وتَكسُوَها ، فَإِذا جَهِلَت عَفَوتَ عَنها . وأمّا حَقُّ مَملوكِكَ فَأَنَ تَعلَمَ أنَّهُ خَلقُ رَبِّكَ وابنُ أبيكَ وامِّكَ ولَحمُكَ ودَمُكَ ، لَم تَملِكهُ لأِنَّكَ صَنَعتَهُ دونَ اللَّهِ ، ولا خَلَقتَ شَيئاً مِن جَوارِحِه ، ولا أخرَجتَ لَهُ رِزقاً ، ولكِنَّ اللَّهَ عز و جل كَفاكَ ذلِكَ ثُمَّ سَخَّرَهُ لَكَ وَائتَمَنَكَ عَلَيه واسَتودَعَكَ إيّاهُ لِتَحفَظَ لَكَ ما تَأتيه مِن خَيرٍ إلَيه ، فَأَحسِن إلَيه كَما أحسَنَ اللَّهُ إلَيكَ ، وإن كَرِهتَهُ استَبدَلتَ بِه ولَم تُعَذِّب خَلقَ اللَّهِ عز و جل ، ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ . وحَقُّ امِّكَ أن تَعلَمَ أنَّها حَمَلَتكَ حَيثُ لايَتَحَمَّلُ أحَدٌ أحَداً ، وأعطَتكَ مِن ثَمَرَةِ قَلبِها ما لايُعطي أحَدٌ أحَداً ، ووَقَتكَ بِجَميعِ جَوارِحِها ، ولَم تُبالِ أن تَجوعَ وتُطعِمَكَ ، وتَعطَشَ وتَسقِيَكَ ، وتَعرى وتَكسُوَكَ ، وتَضحى وتُظِلَّكَ ، وتَهجُرَ النَّومَ لأِجلِكَ ، وَوقَتكَ الحَرَّ وَالبَردَ لِتَكونَ لَها ؛ فَإِنَّكَ لا تُطيقُ شُكرَها إلّابِعَونِ اللَّهِ وحُسنِ تَوفيقِه . وأمّا حَقُّ أبيكَ فَأَن تَعلَمَ أنَّهُ أصلُكَ ، وأنَّهُ لَولاهُ لَم تَكُن ، فَمَهما رَأَيتَ مِن نَفسِكَ مِمّا يُعجِبُكَ فَاعلَم أنَّ أباكَ أصلُ النِّعمَةِ عَلَيكَ فيه ، فَاحمَدِ اللَّهَ وَاشكُرهُ عَلى قَدرِ ذلِكَ ، ولا قُوَّةَ إِلّا بِاللَّهِ . وأمّا حَقُّ وَلَدِكَ فَأَن تَعلَمَ أنَّهُ مِنكَ ومُضافٌ إلَيكَ في عاجِلِ الدُّنيا بِخَيرِهِ وشَرِّهِ ، وأنَّكَ مَسؤولٌ عَمّا وَليتَهُ مِن حُسنِ الأَدَبِ وَالدَّلالَةِ عَلى رَبِّه عز و جل ، وَالمَعونَةِ لَهُ عَلى طاعَتِه ، فَاعمَل في أمرِهِ عَمَلَ مَن يَعلَمُ أنَّهُ مَثابٌ عَلَى الإِحسانِ إلَيه ، مُعاقَبٌ عَلَى الإِساءَةِ إلَيه . وأمّا حَقُّ أخيكَ فَأَن تَعلَمَ أنَّهُ يَدُكَ وعِزُّكَ وقُوَّتُكَ ، فَلا تَتَّخِذهُ سِلاحاً عَلى مَعصِيَةِ اللَّهِ ، وعُدَّةً « 1 » لِلظُّلمِ لِخَلقِ اللَّهِ ، ولا تَدَع نُصرَتَهُ عَلى عَدُوِّهِ ، وَالنَّصيحَةَ لَهُ ؛ فَإِن أطاعَ اللَّهَ وإلّا فَليَكُنِ اللَّهَ أكرَمَ عَلَيكَ مِنهُ ، ولا قُوَّةَ إلّابِاللَّهِ .
هامش
( 1 ) . العُدّة - بالضمّ - : الاستعداد و ما أعددته لحوادث الدهر من مال أو سلاح .