أمير ومنكم أمير ، منعهم أبو بكر ( رضي اللّه عنه ) بعدم كونهم من قريش ، ولم ينكره عليه أحد من الصحابة ، فكان إجماعا احتج المخالف بالمنقول والمعقول ، أما المنقول فقوله صلى اللّه عليه وسلّم : « أطيعوا ولو أمر عليكم عبد حبشي أجدع » « 1 » . وأجيب بأن ذلك في غير الإمام من الحكام جمعا بين الأدلة ، وأما المعقول فهو أنه لا عبرة بالنسب في القيام بمصالح الملك والدين ، بل للعلم والهدى والبصيرة « 2 » في الأمور والخبرة بالمصالح والقوة على الأهوال ، وما أشبه ذلك . وأجيب بالمنع ، بل إن لشرف الأنساب وعظيم قدرها في النفوس أثرا تاما في اجتماع الآراء ، وتألف الأهواء ، وبذل الطاعة والانقياد وإظهار آثار الاعتقاد . ولهذا شاع في الأعصار أن يكون الملك والسياسة في قبيلة مخصوصة ، وأهل بيت معين حتى يرى الانتقال عنه من الخطوب العظيمة ، والاتفاقات العجيبة . ولا أليق بذلك من قريش الذين هم أشرف الناس ، سيما وقد اقتصر عليهم ختم الرسالة وانتشرت منهم الشريعة الباقية إلى يوم القيامة . وأما إذا لم يوجد من قريش من يصلح لذلك أو لم يقتدر على نصبه لاستيلاء أهل الباطل وشوكة الظلمة ، وأرباب الضلالة فلا كلام في جواز تقلد القضاء ، وتنفيذ الأحكام وإقامة الحدود ، وجميع ما يتعلق بالإمام من كل ذي شوكة ، كما إذا كان الإمام القريشي فاسقا أو جائرا ، أو جاهلا ، فضلا ان يكون مجتهدا .
وبالجملة مبنى ما ذكر في باب الإمامة على الاختيار والاقتدار ، وأما عند العجز والاضطرار واستيلاء الظلمة والكفار والفجار وتسلط الجبابرة الأشرار فقد صارت الرئاسة الدنيوية تغلبية ، وبنيت عليها الأحكام الدينية المنوطة بالإمام ضرورة ، ولم يعبأ بعدم العلم والعدالة وسائر الشرائط والضرورات تبيح المحظورات . وإلى اللّه المشتكى في النائبات ، وهو المرتجى لكشف الملمات .
قال : واشترطت الشيعة
هامش
( 1 ) سبق تخريج هذا الحديث في هذا الجزء قريبا .
( 2 ) البصيرة : قوة للقلب المنور بنور القدس يرى بها حقائق الأشياء وبواطنها بمثابة البصر للنفس يرى بها صور الأشياء وظواهرها ، وهي التي يسميها الحكماء العاقلة النظرية والقوة القدسية .