تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح المقاصد — صفحة 219

مساهمون:

ص٢١٩
الحساب والميزان والصراط ، وغير ذلك ، ولا نعرف كيفياتها وأوصافها ، وأهل الكتاب كانوا يعرفون النبي ( عليه السلام ) كما يعرفون أبناءهم ولم يكونوا مؤمنين . وفيه نظر ، لأن المراد العلم بما حصل التصديق به ، ونحن نعلم من الأنبياء والملائكة ما نصدق به . فامتناع التصديق بدون العلم ، بمعنى الاعتقاد ، قطعي . وإنما الكلام في العكس . فإن قيل : نحن لا ننفي كونه إيمانا وتصديقا لكنا ندعي أنه لا ينفع ، بمنزلة إيمان اليائس ، فإن عدم نفعه على ما ذكره الشيخ أبو منصور الماتريدي « 1 » معلل بأن العبد لا يقدر حينئذ أن يستدل بالشاهد على الغائب ليكون مقاله عن معرفة وعلم استدلالي . فإن الثواب على الإيمان إنما هو بمقابلة ما يتحمله من المشقة ، وهي في آداب الفكرة ، وإدمان النظر في معجزات الأنبياء ، أو في محدثات العالم . والتمييز بين الحجة والشبهة لا في تحصيل أصل الإيمان . قلنا : النص إنما قام على عدم نفع إيمان اليأس ومعاينة العذاب ، دون إيمان المقلد . والإجماع أيضا إنما انعقد عليه ، والتمسك بالقياس ، لو سلم صحته في الأصول ، فلا نسلم أن العلة ما ذكرتم ، بل ذهب الماتريدي وكثير من المحققين إلى أن إيمان اليأس إنما لم ينفع لأنه إيمان دفع عذاب ، لا إيمان حقيقة ، ولأنه لا يبقى للعبد حينئذ قدرة على التصرف من نفسه والاستمتاع بها ، لأن عذاب الدنيا مقدمة لعذاب الآخرة ، إذ ربما يموت العبد فيه . فينتقل إلى عذاب الآخرة ، بخلاف إيمان المقلد ، فإنه تقرب إلى اللّه تعالى ، وابتغاء لمرضاته ، من غير إلجاء ولا قصد دفع العذاب ، ولا انتفاء قدرة على التصرف في النفس . قال : وأما المانعون ( وأما المانعون فالشيخ لا يشترط التمكن من إقامة الحجة ودفع الشبهة في كل
هامش
( 1 ) هو محمد بن محمد بن محمود ، أبو منصور الماتريدي : من أئمة علماء الكلام نسبته إلى ما تريد ( محلة بسمرقند ) من كتبه التوحيد ، وأوهام المعتزلة ، والرد على القرامطة ومآخذ الشرائع في أصول الفقه ، وكتاب الجدل وتأويلات القرآن وشرح الفقه الأكبر المنسوب للإمام أبي حنيفة مات بسمرقند عام 333 ه راجع الفوائد البهية 195 ومفتاح السعادة 2 : 21 والجواهر المضيئة 2 : 130 وفهرس المؤلفين 264 وكشف الظنون 335 وتأويلات أهل السنة .
شرح المقاصد — صفحة 219 | التفتازاني