لِحَلوائِهِم هاضِمٌ « 1 » ، و لِدينِه حاطِمٌ ، فَهَشَمَ اللَّهُ مِن هذا خَيشومَهُ ، وقَطَعَ مِنهُ حَيزومَهُ « 2 » .
وأمّا صاحِبُ التَّفَقُّه وَالعَمَلِ فَذو حُزنٍ « 3 » وكَآبَةٍ ، كَثيرَ الخَوفِ وَالبُكاءِ ، طَويلَ الِابتِهالِ « 4 » وَالدُّعاءِ ، عارِفاً بِزَمانِه « 5 » ، مُقبِلًا عَلى شَأنِه ، مُستَوحِشاً مِن أوثَقِ إخوانِه ، قَد خَشَعَ في بُرنُسِه « 6 » ، وقامَ اللَّيلَ في حِندِسِه « 7 » ، فَشَدَّ اللَّهُ « 8 » مِن هذا أركانَهُ ، وأعطاهُ مِمّا يَخافُ أمانَهُ . « 9 »
2938 . وقالَ أميرُالمُؤمِنينَ عَلِيٌّ عليه السلام : مَن لَم يَكُن عِندَهُ سُنَّةُ اللَّهِ وسُنَّةُ رَسولِه وسُنَّةُ أولِيائِه فَلَيسَ في يَدِهِ شَيءٌ .
قيلَ : و ما سُنَّةُ اللَّهِ ؟ قالَ : كِتمانُ السِّرِّ . قيلَ : و ما سُنَّةُ رَسولِه ؟ قالَ : المُداراةُ . قيلَ : و ما سُنَّةُ أوليائِه ؟ قالَ : احتمالُ الأَذى .
2939 . وقالَ عليه السلام : جُمِعَ الخَيرُ كُلُّهُ في ثَلاثٍ : النَّظَرِ ، وَالسُّكوتِ ، وَالكَلامِ ؛ فَكُلُّ نَظَرٍ لَيسَ فيه اعتبارٌ فَهُوَ سَهوٌ ، وكُلُّ سُكوتٍ لَيسَ فيه فِكرَةٌ فَهُوَ غَفلَةٌ ، وكُلُّ كَلامِ لَيسَ فيه ذِكرٌ فَهُوَ لَغوٌ . « 10 »
2940 . وقالَ عليه السلام : لا يَكونُ الصَّديقُ صَديقاً حَتّى يَحفَظَ أخاهُ فِي ثَلاثٍ : في نَكبَتِه « 11 » ، وغَيبَتِه ، و وَفاتِه . « 12 »
2941 . وكانَ عليه السلام يَقولُ : إنّا أهلُ بَيتٍ امِرنا أن نُطعِمَ الطَّعامَ ، ونُؤَدّي فِي النّاسِ النّائِبَةَ « 13 » ، ونُصَلّي إذا نامَ النّاسُ . « 14 »
2942 . وقالَ عليه السلام : كُن عِندَ اللَّهِ خَيرَ النّاسِ ، وكُن عِندَ نَفسِكَ شَرَّ النّاسِ ، وكُن عِندَ النّاس واحِداً مِنَ النّاسِ .
هامش
( 1 ) . فهو لحلوائهم هاضم : أي لأطعمتهم اللذيذة . وفي بعض النسخ - على ما في بحار الأنوار - « لحلوانهم » أي لرشوتهم . ولدينه حاطم ؛ أي كاسر ؛ يعني أنّ أكل أطعمتهم اللذيذة هلاك دينه .
( 2 ) . الحيزوم : ما استدار بالظهر والبطن ، أو ضلع الفؤاد ، أو ما اكتنف بالحلقوم من جانب الصدر . والخيشوم : أقصى الأنف . وهما كنايتان عن إذلاله .
( 3 ) . المراد من الحزن حزن الآخرة . والكآبة - بالتحريك والمدّ وبالتسكين - : سوء الحال والانكسار من شدّة الهمّ والحزن .
( 4 ) . الابتهال : أن تمدّ يديك جميعاً ، وأصله التضرّع والمبالغة في السؤال .
( 5 ) . وفي الكافي : « عارفاً بأهل زمانه » ، والمراد معرفته بالناس وعقله وفطنته ونتيجته الوحشة من الناس من أن يُهلِكوا دينه .
( 6 ) . البرنس : قلنسوة طويلة كان يلبسها النسّاك في صدر الإسلام كما عن الجوهري ، أو كلُّ ثوبٍ رأسه منه ملتزق به من درّاعة أو جُبّة أو ممطراً وغيره .
( 7 ) . الحندس - بالكسر - : الظلمة .
( 8 ) . فشدّ اللَّه من هذا أركانه : أي أعضاءه وجوارحه أو الأعمّ منها و من عقله وفهمه ودينه وأركان إيمانه .
والفرق بين الصنفين الأوّلين بأنّ الأوّل غرضه الجاه والتفوّق بالعلم ، والثاني غرضه المال والترفّع به ، أو الأوّل غرضه إظهار الفضل على العوامّ وإقبالهم إليه ، والثاني قُرب السلاطين والتسلّط على الناس بالمناصب الدنيوية - كما في بحار الأنوار - .
( 9 ) . الخصال ، ص 194 ، ح 269 .
( 10 ) . الخصال ، ص 98 ، ح 47 .
( 11 ) . النكبة : المصيبة .
( 12 ) . نهج البلاغَة ، ج 4 ، ص 33 ، ح 134 .
( 13 ) . النائبة : ماينوب الإنسان أي ينزل به من المهمات والحوادث ؛ أي أمرنا أن نؤدّي نوائبهم ، ونعينهم على الحوادث .
( 14 ) . الكافي ، ج 4 ، ص 50 .