تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح القصيدة النونية المسماة الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية — صفحة 331

مساهمون:

ص٣٣١
الفاني الذي عصفت به ريح البلى من قديم الزمان ، وهو خلو من كل ما يسر القلب ويبهج النفس ، بل ليس حشوه إلا الهموم والأحزان ، وهو حبس للمؤمن يضيق به لأنه يلقى فيه المكاره ويصيم فيه النفس عن مراتع الشهوات ويثقلها بقيود الطاعات ، ولكنه جنة للكافرين يرتع فيها منطلقا من كل قيد متبعا للأهواء والشهوات وسكان هذا المنزل المحشو بالآفات هم أهل البطالة الذين لا يشعرون بالمسئوليات ولا يقدرون التبعات ، وأهل الجهالات الذين رضوا لأنفسهم أن يلتحقوا بغمار والعجماوات وأهل السفالة الذين هجروا معالي الأمور وأخلدوا إلى المحقرات والدناءات ، وبالجملة فهم أنجس الحيوان وأخبث البريات . وأطيبهم عيشا في هذه الدنيا هو أشدهم جهلا بحقوق اللّه العظيم وحقائق كتابه الكريم فهو كما يقول الشاعر :
ذو العقل يشقى في النعيم بعقله * وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم
ولقد عمروا هذه الدنيا وافتنوا في عمارتها ، حتى لم يتركوا بابا للرفاهة إلا ولجوه ولا طريقا للشهوة إلا سلكوه ، فقد يخيل لمن يراهم يلهثون وراءها ويمنعون في عمارتها وتزيينها أنهم يعملون في دار خلد ومنزل إقامة ، لا في دار بلى ومنزل نفاد وهم مع ذلك هجروا مجالس العلم وأقفرت منهم ربوع الإيمان ، لأنهم استحبوا الحياة الدنيا ونعيمها الزائل على ما عند اللّه للمتقين من جنات ورضوان . وغرتهم الأماني الباطلة فعاشوا فيها سعيا وراء الحظوظ العاجلة ورضي بكل هوان ومذلة مع بذل غاية التعب والجهد في تحصيلها ، فإذا وقع بهم مكروه من مكارهها اغتموا لذلك أعظم الغم ، وإذا فاتهم شيء من محبوباتها حزنوا أشد الحزن ، فهم دائما يتقلبون في غموم وأحزان .
واللّه لو شاهدت هاتيك الصدو * ر رأيتها كمراجل النيران ووقودها الشهوات والحسرات والآ * لام لا تخبو مدى الأزمان أبدانهم أجداث هاتيك النفو * س اللائي قد قبرت مع الأبدان أرواحهم في وحشة وجسومهم * في كدحها لا في رضا الرحمن
شرح القصيدة النونية المسماة الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية — صفحة 331 | ابن قيم الجوزية / محمد خليل هراس