بالمساواة مع صاحب الفضل المطلق ، فضلا عن أن يكون راجحا عليه ، فإن ذا الفضل المطلق قد أحرز من الفضائل والمناقب ما لم يحرزه صاحب الفضل المقيد ، فإذا فرضنا واحدا من الناس قد حاز نوعا من الفضائل لم يحزه الذي هو أفضل منه لم يوجب تخصيصه بهذا النوع فضلا عليه ولا مساواة له .
فخلق اللّه آدم بيديه ميزة لآدم عليه السلام ، لم توجب له أن يكون أفضل من نبينا عليه السلام . وكذا خصائص الرسل بعد آدم ، كتخصيص موسى بالتكليم وعيسى بأنه روح اللّه وكلمته ، لم يوجب لهم أن يكونوا أفضل من محمد ، بل هو أعلاهم شرفا وأرفعهم عند اللّه درجات ، فكذلك الحائز لأجر خمسين رجلا من الصحابة لم يحزها في جميع الأعمال الإيمانية حتى يكون أفضل أو مساويا للصحابة فإنه لم يحزها في بدر ولا أحد ، ولا في فتح مكة ولا بيعة الرضوان تحت الشجرة ، وإنما حازها بسبب غربته وفقده للناصر المعين ، على حين كانوا هم يجدون على الحق أعوانا .
والرب ليس يضيع ما يتحمل * المتحملون لأجله من شان
فتحمل العبد الوحيد رضاه مع * فيض العدو وقلة الأعوان
مما يدل على يقين صادق * ومحبة وحقيقة العرفان
يكفيه ذلا واغترابا قلة الأ * نصار بين عساكر الشيطان
في كل يوم فرقة تغزوه ان * ترجع يوافيه الفريق الثاني
فسل الغريم المستضام عن الذي * يلقاه بين عدا بلا حسبان
هذا وقد بعد المدى وتطاول ال * عهد الذي هو موجب الإحسان
ولذاك كان كقابض جمرا فسل * أحشاءه عن حرّ ذي النيران
واللّه أعلم بالذي في قلبه * يكفيه علم الواحد المنان
في القلب أمر ليس يقدر قدره * إلا الذي آتاه للإنسان
بر وتوحيد وصبر مع رضا * والشكر والتحكيم للقرآن