تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح القصيدة النونية المسماة الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية — صفحة 166

مساهمون:

ص١٦٦
العالم وما كان منها عدميا خارجه ، ولو أنكم فصلتم هذا التفصيل لهداكم إلى أن ما فوق العرش إنما هو حيز عدمي لأنه خلاء صرف ، إذ ليس وراء العرش جسم آخر وأن وجود اللّه سبحانه في حيز بهذا المعنى ليس مستحيلا ، وإنما المستحيل أن يكون في حيز من هذه الأحياز الوجودية داخل هذا العالم لما يلزم عليه من كونه محصورا في خلقه وكون الحوادث ظرفا له محيطة به . وكذلك سميتم الاستواء على العرش تحيزا في المكان ، ولم تفرقوا كذلك بين الأمكنة الوجودية داخل هذا العالم ، فهذه هي التي لا يجوز حلول اللّه في شيء منها ، وأما الاستواء على العرش فهو تحيز في مكان عدمي ليس فيه شيء من الموجودات غيره سبحانه ، فلا يكون مستحيلا ولا ممتنعا ، لأنه لا يقتضي إحاطة الحوادث به ولا حلوله فيها ولا اتصاله بها وسميتم ما فوق السماوات والعرش جهة ، ثم سقتم نفيكم للجهة عليه وجعلتموه مساويا لما يجب نفيه من الجهات حيث قلتم أن اللّه لا يجوز أن يكون في جهة من الجهات الست ومنها جهة الفوق . ولم تفرقوا كذلك بين ما كان من الجهات عدميا فوق هذا العالم حيث الخلاء الصرف والعدم المحض ، وبين ما كان منها وجوديا محصورا داخل أركان هذا العالم وموجوداته . وسميتم إثبات الصفات تشبيها وتجسيما ، وهذا محض الكذب والاختلاق ، فإنكم لم تفرقوا بين ما كان من الصفات من قبيل الأعراض التي تختص بالأجسام والمحدثات وبين ما كان منها من قبيل المعاني القائمة بموصوفها ، فإثبات الصفات للّه بالمعنى الثاني لا يقتضي تشبيها ولا تجسيما إذ لا يلزم من إثبات الصفات للّه أن تكون مثل صفات الأجسام المحدثة المخلوقة . ولو كان هذا لازما لكانت المماثلة لازمة لجميع الطوائف إذ لا يعقل وجود ذات مجردة من جميع الصفات . وكذلك عرفتم الموصوف بأنه جسم قابل للأعراض والأكوان التي هي الحركة والسكون والاجتماع والافتراق ، والألوان كالسواد والبياض والحمرة والصفرة ، مع أن الموصوف هو الذات التي تقوم بها الصفات ، وهذا أعم من أن يكون جسما أو غير جسم ، كما جعلتم الصفات كلها أعراضا قائمة بالأجسام ،