فيما نفيتم مما أثبته اللّه ورسوله نظير قولكم فيما أثبتموه ، وإذا فلا مناص من أحد أمرين : أما ترك المراء والجدل والتصريح بمذاهب قدماء الطبيعيين من الفلاسفة في جحد الصانع والانسلاخ من الإيمان أو الانضواء تحت لواء المجسمة أهل القرآن والقتال معهم ، فهذا أولى من التلاعب بالعقول وبالنصوص وبما أجمعت عليه سائر الملل والشرائع من اثبات صفاته وكلامه وعلوه على خلقه ببيان شاف ولفظ صريح .
فأصنع من التنزيه ترسا محكما * وانف الجميع بصنعة وبيان
وكذاك لقب مذهب الاثبات * بالتجسيم ثم احمل على الأقران
فمتى سمحت لهم بوصف واحد * حملوا عليك بحملة الفرسان
فصرعت صرعة من غدا متليطا * وسط العرين ممزق اللحمان
فلذاك أنكرنا الجميع مخافة * التجسيم ان صرنا إلى القرآن
ولذا خلعنا ربقة الأديان من * أعناقنا في سالف الأزمان
الشرح : وإذا كان الغلب لأهل الاثبات لا تساق مذهبهم ومطابقته للنصوص الصريحة فلا بد اذن من اعمال الحيلة للتغلب عليهم ، وذلك بأن نسمي النفي والتعطيل تنزيها ، وأن نتخذ من هذا التنزيه ترسا محكما وسياجا قويا ، فنعمد بواسطته إلى نفي جميع الأسماء والصفات بطريقة فنية تتسم بأحكام الصنعة واجادة البيان حتى يروج كلامنا عند الناس ، وعلينا كذلك أن نشنع على أهل الاثبات ، وننفر الناس منهم فنلقبهم بأهل التجسيم ثم نحمل عليهم حملة قوية في دفع مذهبهم والتشغيب عليهم في كل ما أثبتوه دون أن نبدي لهم ملاينة أو مهادنة ، فإننا متى سمحنا لهم بإثبات وصف واحد حملوا علينا حملة نكراء وألزمونا ، أما اثبات الكل أو نفي الكل ، فعدونا صرعى في الميدان ، كمن غدا قتيلا وسط العرين ، وهو بيت الأسد ممزق الأوصال . وهذا هو الذي حدا بنا إلى انكار جميع المذاهب مخافة الوقوع في التجسيم ان صرنا إلى القرآن وأخذنا