تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح القصيدة النونية المسماة الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية — صفحة 53

مساهمون:

ص٥٣
الشرح : لما دعاه إلى الاستمساك بالحق والثبات عليه والقتال دونه أراد أن يظهر شأن ذلك الحق ، وأنه جدير بكل تضحية تبذل في سبيله ، فذكر أن للحق عدة معان : منها أنه وصف للرب جل شأنه كما قال تعالى :
يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ
[ النور : 25 ] ومنها أنه صراط اللّه الذي يهدي إليه من يشاء من عباده من أهل الإيمان والهدى كما قال تعالى :
قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ
[ يونس : 35 ] وكما قال تعالى :
فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ
[ البقرة : 213 ] . ومنها أن الحق هو الصراط الذي يخبر اللّه عن نفسه أنه عليه ، كما قال تعالى :
إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
[ هود : 56 ] يعني في قوله تعالى وفعله ، فقوله صدق ورشد ونصح وهدى . وفعله حكمة وعدل ورحمة ومصلحة . ثم ذكر من شأن الحق أيضا أنه منصور وأن العاقبة له ولكنه ممتحن ومبتلي بمناوأة الباطل وتشويشه ، وأن سنة اللّه قد جرت بذلك حتى يتميز حزب اللّه من حزب الشيطان ، وحتى تظل معركة الحق والباطل سجالا مستمرة بين رسل اللّه وبين أعدائهم من الكفار ثم تكون العاقبة للمتقين كما قال تعالى :
وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى
[ طه : 132 ] ، وكما قال تعالى على لسان موسى عليه السلام :
قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ
[ الأعراف : 128 ] وهذه العاقبة ان فاتت أهل الحق في الدنيا فهي مدخرة لهم عند اللّه عز وجل يوافيهم بها يوم الدين وينتصف لهم من البغاة المعتدين .
واجعل لقلبك هجرتين ولا تنم * فهما على كل امرئ فرضان فالهجرة الأولى إلى الرحمن بال * اخلاص في سر وفي اعلان فالقصد وجه اللّه بالأقوال وال * أعمال والطاعات والشكران
شرح القصيدة النونية المسماة الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية — صفحة 53 | ابن قيم الجوزية / محمد خليل هراس