فأحسنوا القتلة بالكسر أي النوع منه ( فكتبت ) أي فرغت من كتابته ( ثمّ قلت ) أي لمالك ( يا أبا عبد اللّه وأكتب ثمّ يحرق بالنّار فقال إنّه لحقيق بذلك وما أولاه به ) أي ما أحقه بأن يحرق بعد ضرب عنقه ( فكتبته بيدي ) احتراس بديعي يدفع به ما يتوهم من المجاز كقولهم رأيت بعيني وسمعت بأذني ونحو ذلك ومنه قوله تعالى
وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ
( بين يديه ) أي قدام مالك وقد رآه ( فما أنكره ولا عابه ) وفيه إيماء إلى أن التحرير في باب الفتوى أقوى من التقرير ( ونفذت الصّحيفة ) بالنون والفاء والذال المعجمة المفتوحات أي ذهبت وفي نسخة بضم النون وتشديد الفاء المكسورة وفي أخرى بصيغة الفاعل أي وأرسلتها إلى مصر ( بذلك ) أي بما أمر به مالك ( فقتل ) النصراني ( وحرق ) أي بعد قتله ؛ ( وأفتى عبد اللّه بن يحيى ) الليثي صاحب رواية الموطأ عن أبيه عن مالك ( وابن لبابة ) بضم اللام وبموحدتين وهو محمد بن يحيى بن عمر بن لبابة القرطبي ( وجماعة سلف أصحابنا ) بالإضافتين وفي نسخة في جماعة سلف أصحابنا ( الأندلسيّين بقتل نصرانيّة استهلّت ) أي رفعت صوتها يعني أظهرت ( بنفي الرّبوبيّة ونبوّة عيسى ) أي للّه كما في نسخة أي وأعلنت بكونه أينا له وبينهما تناقض كما لا يخفى وفي نسخة بتقديم النون على الباء والظاهر أنه تصحيف ( وتكذيب محمّد في النّبوّة ) أي في أصلها لا في عموم الرسالة لأنه مقتضى مذهبهم وكذا القول بالأبنية ما أخبر اللّه عنهم بقوله
لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ
وإنما أمر بقتلها لإنكار الربوبية فإنها به صارت حربية وخرجت عن كونها ذمية كتابية إذ ليس هذا من مقتضى دينهم بل ولا دين غيرهم لقوله تعالى
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ
( وبقبول إسلامها ودرء القتل عنها ) وهذا مخالف لما سبق من أن الذمي إذا طعن في نبوة نبينا بقتل ولم يقبل إسلامه ( به ) وفي نسخة وبه أي وبهذا الإفتاء ( قال غير واحد من المتأخّرين ) أي من المالكية ( منهم القابسيّ وابن الكاتب ) وهو أبو القاسم عبد الرحمن بن علي بن محمد ؛ ( وقال أبو القاسم بن الجلّاب ) بفتح الجيم وتشديد اللام بصري مات سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة ( في كتابه من سبّ اللّه ورسوله من مسلم أو كافر ) أي ذمي ( قتل ولا يستتاب ) أي لا تقبل توبته وهذا مخالف للجمهور وأغرب الدلجي حيث قال تمسكا بالآية والحديث والحال أنه لا دلالة آية ولا إشارة رواية على ذلك بل تقبل توبة المرتد والكافر بشروط هنالك . ( وحكى القاضي أبو محمّد ) عبد الوهاب المالكي ( في الذّميّ يسبّ ثمّ يسلم روايتين ) عن مالك ( في درء القتل عنه ) أي وعدمه ( بإسلامه ، وقال ابن سحنون وحدّ القذف ) والمشهور أنه مختص برمي الزنا ( وشبهه ) وهو السب ونحوه ( من حقوق العباد لا يسقطه عن الذّميّ إسلامه ) لابتنائها على المشاحة ( وإنّما يسقط عنه بإسلامه حدود اللّه ) لأنها مبنية على المسامحة ( وأمّا حدّ القذف فحقّ للعباد كان ذلك لنبيّ أو غيره ) من العباد المحترمين ( فأوجب ) أي اللّه ورسوله قال الدلجي وفيه بحث سيجيء ( على الذّميّ إذا قذف النبيّ صلى اللّه تعالى عليه وسلم ثمّ أسلم حدّ القذف ) وفيه أنه لم يعرف من كتاب ولا سنة حد القذف