الجهة الشرقية إذا توجهت للقبلة ( مثل ذلك ) أي مثل امتداد جهتي المشرق والمغرب ولعل في اتيانهما بلفظ الجمع إيماء إلى ما هنالك وكذلك إلى ظهور كثرة العلماء منهما بالنسبة إلى غيرهما وأن علماء المشرق أكثر وأظهر من علماء المغرب فتدبر ( وقوله ) أي كما رواه مسلم عن سعد بن أبي وقاص مرفوعا ( لا يزال أهل المغرب ظاهرين على الحقّ ) أي على طريق الحق ومنهج الصدق وسبيل الطاعة من الجهاد وتعليم العلوم للعباد ( حتّى تقوم السّاعة ) أي إلى قرب القيامة ( ذهب ابن المديني ) هو الإمام أبو الحسن علي بن عبد اللّه المديني الحافظ يروي عن أبيه وحماد بن زيد وخلق وعنه البخاري وأبو داود والبغوي وأبو يعلى قال شيخه عبد الرحمن بن مهدي علي بن المديني اعلم الناس بحديث رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم وخاصة بحديث ابن عيينة تلومونني على حب علي بن المديني واللّه لا تعلم منه أكثر مما يتعلم مني وكذا قال يحيى القطان فيه وقال البخاري ما استصغرت نفسي إلا بين يدي علي قال النسائي كأن اللّه خلقه لهذا الشأن توفي بسامرا هذا والمديني نسبة إلى المدينة المشرفة قاله ابن الأثير وقال إن أصل المديني منها ثم انتقل إلى البصرة وقال إن الأكثر فيمن ينسب المدينة مدني ثم قال المديني فنسبة إلى أماكن وساق سبعة وأما الجوهري فقال المدني نسبة إلى مدينة الرسول صلى اللّه تعالى عليه وسلم وأما المديني فنسبة إلى المدينة التي بناها المنصور هذا وهو بفتح الميم وكسر الدال وسكون الياء لا بصيغة التصغير كما توهمه بعض معاصرينا من العلماء ( إلى أنّهم ) أي أهل الغرب ( العرب لأنّهم المختصّون بالسّقي بالغرب ) بغين معجمة فسكون راء ( وهي الدّلو ) أي العظيمة وفي نسخة وهو الدلو ، ( وغيره ) أي غير ابن المديني ( يذهب إلى أنّهم أهل المغرب وقد ورد المغرب ) أي بدل الغرب فارتفعت الشبهة في مبناه ( كذا في الحديث بمعناه ) لكن فيه أنه لا يعلم من رواه نعم يروي عن مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال قال رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم يكون بالمغرب مدينة يقال لها فاس أقوم أهل المغرب قبلة وأكثرهم صلاة وهم على الحق مستمسكون لا يضرهم من خالفهم يدفع اللّه عنهم ما يكرهون إلى يوم القيامة . ( وفي حديث آخر من رواية أبي أمامة ) كما رواه أحمد والطبراني عنه مرفوعا ( لا تزال طائفة من أمّتي ) أي أمة الإجابة ( ظاهرين على الحقّ ) أي مستعلين عليه غير مخففين لديه ( قاهرين لعدوّهم ) أي غالبين عليهم من قهره غلبه واللام للتقوية ( حتّى يأتيهم أمر اللّه ) أي بفنائهم أو خفائهم ( وهم كذلك ) أي لابثون على ما هنالك ( قيل يا رسول اللّه وأين هم ؟ قال ببيت المقدس ) بفتح الميم وكسر الدال وضبطه بضم الميم وفتح الدال المشددة ولعل مثل هذا الحديث حمل ابن المديني على تأويل ما تقدم وقال غيره المراد بأهل الغرب أهل الشام لأنه غرب الحجاز بدلالة رواية وهم بالشام لكن لا منع من الجمع بأن يوجد في كل منهما جمع يقومون بأمر الحق من إظهار العلم وإفشاء شعار الدين والاجتهاد في باب الجهاد مع الكفار والملحدين ويؤيده ما رواه مسلم عن جابر بن سمرة مرفوعا لن يبرح هذا الدين قائما يقاتل عليه عصابة
شرح الشفاء ( شرح ملا علي القاري ) — صفحة 684
مساهمون: القاضي عياض
ص٦٨٤