إلى فَمِ ثُعبانٍ ولا أمُدَّنَّها إلى مَن كانَ جائِعاً وهُوَ الآنَ شَبعانُ ؛ فَإِنَّ الكَريمَ كُلَّمَا اغتَنَمَهُ « 1 » أو كَسَبَهُ احتَقَرَ ذلِكَ في نَفسِه ، ومَثَلُهُ كَالشَّمسِ لاتَمنَعُ نَفعَها ولَو كانَ عَلَيها غَيمٌ ، واللَّئيمَ كالحَنظَلِ ؛ كَلَّمَا ازدادَ « 2 » رَيعاً يَزدادُ مُرورَةً .
2392 . وقالَ عليه السلام لِبَعضِ أصحابِه : لا تَجعَلَنَّ أكثَرَ شُغلِكَ لأِهلِكَ ووَلَدِكَ ، وإن يَكُن أهلُكَ ووَلَدُك أولياءَ اللَّهِ ؛ فَإنَّ اللَّهَ لا يُضيعُ أولِياءَهُ ، وإن يَكونوا أعداءَ اللَّهِ ؛ فما عَمَلُكُ وشُغلُكَ بِأَعداءِ اللَّهِ ؟ ! « 3 »
2393 . وقالَ عليه السلام لِابنِه الحَسَنِ عليه السلام : يا بُنَيَّ ، لا تُخَلِّفَنَّ وَراءَكَ شَيئاً مِنَ الدُّنيا ؛ فَإِنَّكَ تُخَلِّفُهُ لأِحَدِ رَجُلَينِ : إمّا رَجُلٌ عَمِلَ فيه بِطاعَةِ اللَّهِ ؛ فَسَعِدَ بِما شَقيتَ بِه ، وإمّا رَجُلٌ عَمِلَ فيه بِمَعصِيَةِ اللَّهِ ؛ فَكُنتَ لَهُ عَوناً عَلى مَعصِيَتِه ، ولَيسَ أحَدُ هذَينِ حَقيقاً أن تُؤثِرَ « 4 » عَلى نَفسِكَ ، وتَحمِلَ لَهُ عَلى ظَهرِكَ . « 5 »
2394 . وقالَ عليه السلام في ذَمِّ الدُّنيا : ما أصِفُ مِن دارٍ أوَّلُها عَناءٌ وآخِرُها فَناءٌ ، في حَلالِها حِسابٌ وفي حَرامِها عِقابٌ ، مَنِ استَغنى فيها فُتِنَ ومَنِ افتَقَرَ فيها حَزِنَ ، ومَن ساعاها « 6 » فاتَتهُ و من قَعَدَ عَنها واتَتهُ ، ومَن أبصَرَ بِها بَصَّرَتهُ ومَن أبصَرَ إلَيها أعمَتهُ « 7 » . « 8 »
2395 . وقالَ عليه السلام : إذا تَمَّ العَقلُ نَقَصَ الكَلامُ . « 9 »
2396 . وقال عليه السلام : العَقلُ عَقلانِ : مَطبوعٌ « 10 » ومَسموعٌ ، ولايَنفَعُ مَسموعٌ إذا لَم يَكُ مَطبوعٌ ، كَما لاتَنفَعُ الشَّمسُ وضَوءُ العَينِ مَمنوعٌ . « 11 »
هامش
( 1 ) . يقال : غنّمه كذا أي : أعطاه إيّاه . ويقال كسّبت زيداً مالًا واكتسبت زيداً مالًا : اعنته على كسبه ، أو جعلته يكسبه . يعني أنّالكريم يحتقر عطاياه في نفسه ، فلا يستكثر ولا يمنّ ، بل قد يعتذر من القلّة .
( 2 ) . الرَّيع : النَّماء والزيادة ( لسان العرب : 8 / 137 ) .
( 3 ) . نهج البلاغَة ، ج 4 ، ص 82 ، ح 352 ؛ شرح نهج البلاغَة ، ج 19 ، ص 268 ، ح 358 .
( 4 ) . آثره : أي فضّله ؛ أي ليس أحد من هذين الرجلين حقيقاً أن تفضّله وتختاره على نفسك وتحمل له الوزر على ظهرك .
( 5 ) . نهج البلاغَة ، ج 4 ، ص 97 ، ح 416 ؛ كنزالعمّال ، ج 3 ، ص 721 ، ح 8572 .
( 6 ) . أي من جرى معها في مطالبها يعني بذلك أنّه اهتم وجدّ في طلبها فاتته أي سبقته ، فإنّه كلّما نال شيئاً فُتحت له أبوابالآمال فيها ، فلا يكاد يقضي مطلوباً حتّى يهتف به ألفُ مطلوب . هكذا فسّره بعض . وفسّره البحرانى في شرحه على نهج البلاغَة بنحو آخر ، فراجع الشرح : ج 2 ، ص 229 .
و من قعد عنها و لم يطلبها وتركها واتته : أي طاوعته ووافقته وأقبلت إليه ، أو طاوعته يعني استراح هو فيها .
( 7 ) . من جعلها سبب هدايته واعتبر منها واستدلّ بآياتها جعلته بصيراً و من أبصر إليها ؛ أي جعلها موضع همّته وطلبه أعمته عن إدراك الحقائق وعن معرفة عيوبها ، ولذلك صار حبُّ الدنيا رأسَ كلِّ خطيئة .
( 8 ) . نهج البلاغَة ، ج 1 ، ص 131 ، ح 82 ؛ شرح نهج البلاغَة ، ج 6 ؛ ص 238 ، ح 81 .
( 9 ) . نهج البلاغَة ، ج 4 ، ص 15 ، ح 71 ؛ شرح نهج البلاغَة ، ج 18 ، ص 217 ، ح 69 .
( 10 ) . عقلٌ مطبوع : عقل ذاتي فطري .
( 11 ) . نهج البلاغَة ، ج 4 ، ص 79 ، ح 338 ؛ مفردات غريب القرآن ، ص 342 .