[ 96 ] الذاكر :
حقيقة الذكر عبارة عن إحضار المذكور بعد عزوبه ، وهو في حقّه تعالى ممنوع ، إذ لا يعزب عن ربّك من مثقال ذرّة ، فقوله تعالى :
فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ
[ 2 / 152 ] يستشكل بما ذكرت وبعدم إمكان إحضار الخلق إيّاه تعالى في عوالمهم ، لعدم إمكان الإحاطة به .
والّذي يحسم الإشكال أنّك قد عرفت إنّ اللّه تبارك وتعالى جعل له في كلّ نفس آية تدلّ على تمام صفاته من الجلال والجمال ، واكتفى بمعرفتها عن معرفته ، وبذكرها عن ذكره ، ثمّ قال :
وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا
[ 73 / 8 ] وقال :
وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا
[ 76 / 25 ] .
وذلك الاسم هو اسم اللّه الّذي هو وليّ المؤمنين ، فالمراد بذكره تعالى الخلق هو تكوين ذلك الاسم المبارك فيهم وتنبيههم على سلوك طريقه وتثبيتهم عليه .
والمراد بذكر الخلق إيّاه تبارك وتعالى : خلع تمام الحجب عنه ، والوصول إليه ، والثبات عليه ، وعدم الدخول في طريق الطاغوت ، الّذي هو وليّ الّذين كفروا .
[ 97 ] ذو المعارج :
اعلم إنّك قد عرفت في الأمر الثالث أنّ اللّه تبارك وتعالى خلق أوّل ما خلق مطلقا عن تمام التعيّنات ، وجامعا لجميعها بالبساطة والاستعداد ؛ فباعتبار أنّه العلّة الأولى ومحيط بهويّات الأشياء كلّها يسمّى علما ، ففيه ملكوت كلّ شيء بنحو البساطة ، مثل تقرّر القطرات غير المتناهية في البحر ، لا يمكن إثباتها فيه ، والحكم بوجودها بأعيانها فيه ، ولا نفيها عنه .