ولكنّه تعالى جعل الأسباب لمصالح :
منها : امتحان الخلق وابتلائهم ، فإنّه لو كان جري الأمور بيده لا بواسطة ، فمن أين يظهر حال المطيع من العاصي ؟ ومن أين ينكشف خبث باطن قاتل النفس والسارق والزاني والمتكبّر والحاسد والكاذب والمنافق ومانع الزكاة وغيرهم . مثلا ، لو لم يجعل الطعام واسطة للشبع ويشبع الخلق بلا واسطة الطعام ، فمن أين يتبيّن حال المنفق من حال البخيل ، وكذلك الحال في جميع الأمور .
ومنها : أنّه لو لم يرتّب الأسباب لم يظهر كمالاته بمراتبها وشؤونها ، فإنّ الأشياء كلّها - بكلّيّاتها وجزئيّاتها - كلّ واحد منها مظهر ومرآة لمرتبة من مراتب الصفات ، أو حاكية لشأن من شؤونها ، فما من موجود إلّا وهو مخلوق لبيان مرتبة من الصفات ، وموجود لذاته ، ومطلوب بنفسه ؛ ولكلّ واحد أصل أصيل وطريق خاصّ إلى اللّه تعالى ، لا واسطة بينه وبين ربّه وإن كان أكثر الناس لا يعلمون ،
فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ
[ 22 / 46 ] ، وكيف يحتاج إلى واسطة من هو أقرب إلى كلّ شيء من كلّ شيء ، بل لا يخلو منه شيء .
قال أمير المؤمنين عليه السّلام في خطبة الوسيلة المرويّة في الكافي « 1 » :
« فارق الأشياء لا على اختلاف الأماكن ، ويكون فيها لا على وجه الممازجة » .
وفي الخطبة الأخرى المرويّة فيه « 2 » :
« [ داخل ] في الأشياء كلّها غير ممازج بها ، ولا بائن منها ، عميت عين لا تراه عليها رقيبا » .
هامش
( 1 ) الكافي : الروضة ، 18 ، ح 4 .
( 2 ) الكافي : 1 / 138 . وقد مر في الأمر السابع .