حيث قال
« الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً »
وجعل الفكر خاتمة أمرهم حيث قال
« وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ »
والغاية في كل شيء أفضل من المبدأ ، فالفكر أفضل من الذكر .
الحجة السادسة : الذكر طاعة عظيمة ومع كونها طاعة عظيمة فهي وسيلة إلى المعرفة التي هي أعظم الطاعات ، إذ لولا الفكر لما تميز الحق عن الباطل ، والذكر وإن كان في نفسه عبادة لكنه ليس وسيلة إلى عبادة أخرى ، فوجب أن يكون الفكر أفضل من الذكر ؛ لأن فيه طرد الشياطين واحترازا عن الوسواس واشتغالا بالحق وإعراضا عما سواه ، وهذه منافع في غاية الجلالة . قلنا كل ذلك في الفكر مع زيادة ما ذكرناه .
الحجة السابعة : الفكر طلب نفساني لوجدان المطلوب وهو فعل شاق ، والذكر ليس كذلك ؛ فإذا كان الفكر أشق كان أكثر ثوابا بالنص .
فإن قيل : الفكر طلب المفقود والذكر استيفاء الموجود ، والفكر يشبه علاج المرض والذكر يشبه استيفاء الصحة ، ولا شك أن الثاني أفضل .
قلنا : الفكر يفيد تحصيل الزوائد إلى ما لا نهاية له والذكر ليس كذلك .
الحجة الثامنة : الذكر باللسان إن لم تحصل معه المعرفة بالقلب فهو ساقط وإن حصلت المعرفة معه فتلك المعرفة لا تحصل إلا بالفكر ، فالذكر إنما يكمل بالفكر والفكر غنى في كمال حاله عن الذكر ؛ فالفكر أفضل من الذكر .
الحجة التاسعة : أن صاحب الفكر أبدا يكون في الترقي من درجة إلى درجة أعلى منها ، وصاحب الذكر يكون كالواقف ، فالفكر أفضل من الذكر .
فإن قيل : صاحب الفكر وإن تزايدت درجاته إلا أنه يكون ضعيفا في كل واحد منها لأجل أن القوة إنما تحصل بالثبات ، وأما صاحب الذكر فإنه وإن كانت درجاته أقل إلا أنه يكون أكثر رسوخا .
( م 5 - لوامع البينات )