تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شبهة الغلو عند الشيعة — صفحة 108

مساهمون:

ص١٠٨
إن التفكير في هذه الأمور تورثه الحيرة والندم لأنها قد توصله إلى التشكيك في كثير من معتقداته الدينية ، لهذا جاء النهي عن البحث في هذا الموضوع فقال أمير المؤمنين عليه السّلام لما سئل عن القدر : طريق مظلم فلا تسلكوه وبحر عميق فلا تلجوه وسر اللّه فلا تكلفوه . ثم إن الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ذم القدرية فقال : ( إن القدرية مجوس هذه الأمة ) وقال صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : القدرية خصماء اللّه في القدر وقد تذرّع بهذا الحديث كل من المجبّرة والمفوّضة وكل واحدة منها كفّرت الأخرى ونسبتها إلى القدرية . فالمجبّرة تسمي المفوّضة بالقدرية لأنهم ينكرون القدر وينفون الإرادة الإلهية عن كل تصرفات الإنسان لأن الإنسان مختار في أفعاله ، له مطلق الحرية والإرادة في تصرفاته . والمفوّضة تسمي المجبّرة بالقدرية لأنهم يثبتون القدر للّه ويقولون أن أفعال العباد مخلوقة للّه والإنسان عديم الإرادة . والمستفاد من أخبار المعصومين عليهم السّلام إن كلا الفريقين هم ينتمون إلى القدرية لكن انتماء تضاد بينها ، فالمجبرة ينسبون الخير والشر والطاعة والمعصية وكل أفعال الخلق إلى غير الإنسان أي إلى اللّه سبحانه وهذا ما يوافق المجوس القائلين بكون فاعل الخير والشر غير الإنسان ، وهذا مما ينطبق على المجبرة أنهم مجوس هذه الأمة ، فهم المجبرة من هذه الأمة ، فهم المجبرة من حيث إثبات القدر للّه وسلب الاختيار من الإنسان . وأما المفوّضة فهم القائلون بخالقين : الأول وهو اللّه الذي خلق الأشياء وأكملها ثم انفصلت عنه فلا سبيل لها في الارتباط به سبحانه والثاني وهو الإنسان بالنسبة لأفعاله ، لأنه مختار في كل تصرفاته وحريته مطلقا لا دخل لإرادة اللّه فيها . وهذا مما يوافق المانوية الذين قالوا أن العالم مصنوع مركب من أصلين قديمين أحدهما نور والآخر ظلمة وأنهما أزليان لم يزلا « 1 » وهذه اثنينية ، وهي شرك باللّه ، ويوافق المجوسية إذ أثبتوا أصلين قديمين مدبرين هما يزدان وأهرمن أي النور والظلمة .
هامش
( 1 ) الملل والنحل 1 / 224 .