فصل [ الاختلاف في تعليل قبول الجوهر للأعراض ]
ومما اختلف فيه جواب أهل الحق في تعليله ، وترك تعليله : قبول الجواهر للأعراض .
فمنهم من علله بتحيزه ، ومنهم من أبى التعليل .
وقد ردد القاضي جوابه في كتبه ، فتارة يقطع بالتعليل ، وتارة يقطع بنفيه ، وتارة يجمع جوابيه . والجملة فيه أنا لو لم نحل التعليل بالحال ، لم يكن في تعليل قبول الأعراض بالتحيز استحالة . فإنه لا يرد على التعليل وجه مما يقدر فسادا إلا ذلك ، وفيه بعد . إذ يفضي القول فيه إلى اختلاط العلة بالمعلول ، والمعلول بالعلة . إذ ليس التحيز بأن يكون علة في القبول ، أولى من أن يكون معلولا به . وقد قال القاضي ، رضي اللّه عنه : هذا مما لا أقطع فيه جوابي . ولا يقوي المتمسك في منع تعليل ذلك بأن يقول القائل : قبول الأعراض من صفات الأجناس ، وصفات الأجناس لا تعلل ، نحو كون السواد سوادا . وهذا فيه ضعف فإنه تمسك بعبارة محضة . إذ كون السواد سوادا ، لم يمتنع تعليله ، لأن ذلك صفة جنس ، وإنما امتنع لدلالة أقمناها ، لا تقوم مثلها في تعليل القبول بالتحيز . فتمسكوا بقضايا القضية ، وجانبوا التشبث بالعبارات .
ومما اختلف المحصلون في تعليله : كون الباري تعالى باقيا . فعلله شيخنا بالبقاء ، وأباه المعتزلة ، وقالوا : الباقي باق بنفسه . وقد يميل القاضي إلى ذلك ، وهذا من غمرات الكلام . وسيأتي شرحه في باب مفرد ، في آخر الصفات إن شاء اللّه .
[ وبعد ، فقد ] تنجزت أحكام العلل مشتملة على جميع الأسرار . واشتمل ما تقدم على نقل جميع كلام القاضي في كتابه الموسوم « بالعلل » ، وانطوى أيضا على ما فرقه في الكتب .
وتخصص ما جمعناه بزيادات في المعاني من كلام سائر الأئمة ، مع إثبات الإيجاز في اللفظ . وقد بقي من نوافع العلل بابان : أحدهما : في ذكر الصفات للحدوث ؛ والثاني : في ذكر الحقائق والحدود ، واللّه الموفق للصواب .
كمل الجزء الأول من الشامل لثلاث خلون من شوال سنة عشر وستمائة . كتبه العبد الفقير إلى اللّه تعالى : ربيع بن محمود بن مرسي بن محمود بن علي الأنصاري ابن الخزرجي . يتلوه في الثاني القول [ في بقية ] الأحوال « 1 » .
هامش
( 1 ) كما أشرنا في المقدمة ، فإن الذي عثر عليه من الكتاب هو هذا القدر فقط . ونأمل - إن شاء اللّه - أن نعثر على بقية الكتاب لكي نكمله . والحمد للّه ربّ العالمين .