المعلوم معلوما ، يستحيل تعليله بصفة ترجع إلى المعلوم . فإنها إن كانت إثباتا ، انتقضت بكون المعدوم معلوما . وإن كانت نفيا ، انتقضت بكون الموجود معلوما .
فإن قيل : هلا قلتم إن العلة في كون المعلوم معلوما العلم ، وهذا ما ارتضاه الأستاذ أبو بكر ، وهو باطل من أوجه : منها : أن من شرط العلة قيامها بمن له الحكم منها ، على ما سبق إيضاحه . وليس من شرط كون المعلوم معلوما ، قيام العلم به . والذي يحقق ذلك ، أن المعلول ينتفي أن يكون زائدا على العلة ، إذ لو لم نقل ذلك ، لأفضى إلى تجاهل لا يرتضيه عاقل ، وهو أن يكون العلم علة في كونه علما . فهذا ضرب من الهذيان .
فإذا وضح ذلك ، رتبنا عليه مقصدنا ، وقلنا : كون معلوما ، ليس بحال له زائدة على ذاته ، مع القول بالأحوال ، فما ظنكم والأستاذ من نفاتها ؟ ولو لم يلزم فيه إلا أن يثبت للرب حالا لعلمنا به ، لكان ذلك أكمل وأرفع عن ذلك . فتعلق العلم لا يغير صفة المعلوم ، إذ الشيء قبل أن يعلم على صفته بعد أن يعلم . فإذا لم يثبت المعلوم بكونه معلوما ، صفة ، إذ لو ثبتت له صفة ليعلم عليها ، ولو ثبتت له صفة أخرى ، لما علم ثانيا . وكذلك القول في الثالث والرابع . وهذا مفض إلى التسلسل ، فثبت أن من علل المعلوم في كونه معلوما ، فإنما يعلل ذات العلم في كونه علما بالسواد ، بكونه علما به . وأقصى تمسك الأستاذ بالتسمية ، وقد سبق فيها قول مقنع .
وأقل ما يلزمه عليه أن يجعل كل شيء مسمى ، علة في تسميته . فأما كون المدرك مدركا ، فمقطوع بامتناع تعليله ، والدال عليه كالدال على امتناع التعليل في كون المعلوم معلوما ، وليس يجري كون المدرك مدركا مجرى صحة كونه مدركا . فافهموا ذلك ترشدوا .
فصل [ وقوع الفعل ]
ومما لا يصح تعليله ، وقوع الفعل . إذ لو كان وقوع الفعل معلولا ، لافتقر إلى علة .
ثم لا يخلو القول في ذلك : إما أن يعلل بذات الفاعل ، فيلزم منه أن لا يتقدم الفاعل على فعله ، على ما قدمناه في أحكام العلل ، وكذلك إن علل بصفة من صفات ذاته . وإن علل بمعنى سوى ذات الفاعل وصفاته ، لم يخل ذلك المعنى : إما أن يكون حادثا أو قديما ، فلو كان قديما ، استحال كونه علة في حادث لامتناع تقدم العلة على المعلول . ولو كان حادثا ، كان فعلا مفتقرا إلى التعليل ، فيتسلسل ذلك .
والأستاذ أبو بكر قال : الفعل علة في كون الفاعل فاعلا ، ولا علة للفعل في كونه