وإعظاما ، وهذا كقول القائل : إن فلانا عند الخليفة . بالموضع بالقرب الأعظم ، ولا يراد به تعرض لقرب ولا بعد . ويجوز أن يحمل ذلك على اختصاص الملك ، وذلك غير مستبعد .
إذ يقول القائل : أنا مساهم فيما عندي من المال ، غير ضنين به ، وليس المراد بذلك الاقتراب بالذوات ، وإنما أراد الاختصاص بالملك .
ولو قال قائل : أي فائدة لتخصص الملائكة بالملك ، وجملة الخلق ملك للّه تعالى ؟
قلنا : في مثل ذلك وجهان : أحدهما : أن يقال : أضاف الملائكة إلى ملكه تشريفا لهم حيث خصصهم بالذكر ، وهو كإضافة الرب المؤمنين إلى نفسه تسمية العبودية في آي من كتاب اللّه . منها قوله تعالى :
وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً
[ الفرقان : 63 ] . وقد اتفق أهل التوحيد على أن الكفرة عباد اللّه ، كالبررة من عباد اللّه . وقد قال تعالى :
إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً
[ مريم : 93 ] . فدل أن التخصيص بالذكر قد يراد به التشريف والتعظيم . وكذلك خصص اللّه تعالى الكعبة المحرمة بالإضافة تشريفا لها . فقال :
وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ
[ الحج : 26 ] . وخص الناقة ؛ ناقة صالح بالإضافة ، وأمثلة ذلك كثيرة .
فهذا وجه ، والوجه الثاني أن يقال : خصص اللّه تعالى الملائكة بالإضافة ملكا ، من حيث لم يكن فيهم جاحد ومعاند يأبى سلطان اللّه ، وهو نحو تخصيص الرب الملك باليوم الذي يصعق فيه الخلائق ، وتنقطع فيه ظنون الجبابرة ، وحسبان الذين قدروا أنفسهم ملوكا .
فقال ، عز من قائل ، مخبرا عما سيكون :
لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ
[ غافر : 16 ] . فكما حمل تخصيص الإضافة إلى ذلك اليوم على انقطاع أوهام المتوهمين ، فكذلك ذكر اللّه ذلك في أمم من خلقه لا يتوهمون لأنفسهم حولا ولا قوة دون مشيئته . ويجوز أن يقال : خصصهم بالذكر تنبيها على من دونهم .
وأما قوله :
وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ
[ الزخرف : 19 ] ، فأظهر القراءة في هذه الآية قوله :
عِبادُ الرَّحْمنِ
[ الفرقان : 63 ] وهذا من أوضح الأدلة . على أن القراءة الأخرى محمولة على هذا المحمل الذي قدمنا شرحه .
ومما يسأل عنه من ظواهر القرآن قوله تعالى :
إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ
[ فاطر : 10 ] ، وقوله تعالى :
تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ
[ المعارج : 4 ] . وربما توهم بعض الحشوية أن لهم في الآية مستروحا في إثبات الاختصاص بالجهات ، وليس الأمر على ما قدروه . قال : المعنى بقوله
« تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ »
أي يعرجون إلى حيث يأمرهم متقربين إليه ، مستسلمين لأمره . وشاهد ذلك في كتاب اللّه قوله :
وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ