الصنعة ، ولا اقتضاه الكلف بالمحسنات ، وأكثره ممّا يأتي عفواً بلا كد خاطر ولا تجشم هول ، ومثله في عبارات عصره واقع ، ومن عرف أنّ ابن أبي طالب كان حامي عرين الفصاحة وابن بجدتها لم يعسر عليه التسليم . « 1 »
ونضع أمام الشيخ نموذجاً من السجع المتكلّف الرائج في العصر العباسي حتّى يعلم أنّ ما جاء في نهج البلاغة نتج عفواً وبلا تكلّف .
هذا هو الحريري أبو محمد القاسم بن علي بن محمد بن عثمان البصري صاحب « المقامات » المشهور ، وتعمقه في الصناعة يغنينا عن إيراد كثير من نثره ونظمه . فمن نثره قوله :
« فمذ اغبر العيش الأخضر ، وأزور المحبوب الأصفر ، اسودّ يومي الأبيض ، وابيض فؤادي الأشيب ، حتّى رثى لي العدو الأزرق ، فيا حبذا الموت الأحمر » .
فيا شيخنا القاضي بالحق : قسْ هذا الكلام بقول الإمام أمير المؤمنين عليه السلام في عدم الاغترار بالدنيا أعني قوله : فإنّ الدنيا قد أدبرت ، وآذنت بوداع ، وإنّ الآخرة قد أشرفت باطّلاع ، ألا وإنّ اليوم المضمار وغداً السباق ، والسبقة الجنة ، والغاية النار ، أفلا تائب من خطيئته قبل منيته ؟ « 2 »
وكأن المشكّكين ينكرون على أصحاب المواهب أن يبتكروا ويجودوا بعطاءاتهم الفذة ، وأمير المؤمنين - كما أصفق الجميع - من العباقرة الذين جاءوا في زمن غير زمانهم ، ويُبدعوا فلا بِدْعَ أن يكون عطاؤه متميزاً في النحو ( وهو مؤسسة ) والبلاغة والفقه والكلام والتفسير وغيرها من المجالات .
وأنت ترى أنّ أرباب الأدب واللغة والفصاحة والبيان من لدن جمعه إلى
هامش
( 1 ) . نهج البلاغة شرح الإمام محمد عبده ، قم المقدسة ، ص « و » .
( 2 ) . نهج البلاغة ، الخطبة : 27 .