طوائف وفئات يكيل بعضها لبعض تُهم الابتداع والتكفير والتفسيق .
وهذا داء عضال ينخر في جسم الأُمّة الإسلامية إلى يومنا هذا ولا يعالج إلّا بسعي رؤساء الطوائف الإسلامية لتوحيد الكلمة والأخذ بالمشتركات والإغماض عمّا يفرّق ويشتت ، وهذا هو واجب المسلمين ووظيفتهم أمام التيّارات الإلحادية القادمة من الغرب ، لأجل نشر التحلّل الديني .
ولا أظن أنّ من له مسيس معرفة بالأوضاع العالمية أن يتصوّر غير ذلك ، ويسلك مسلكاً مغايراً .
ولهذه الغاية قام نخبة من فطاحل علماء الفريقين بتأسيس دار باسم « دار التقريب بين المذاهب الإسلامية » لأجل تقريب الخطى وتوطيد الأُخوة الإسلامية ، وفي طليعة من ساهم في تعزيز الإخاء وترسيخ الوفاق : الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء ، والسيد عبد الحسين شرف الدين العاملي ، والشيخ محمد جواد مغنية ( من علماء الشيعة ) ، والشيخ عبد المجيد سليم شيخ الأزهر ، والشيخ محمود شلتوت شيخ الأزهر ، والشيخ محمد المدني ( من علماء السنّة ) ، وغيرهم من الأفاضل الأفذاذ الذين كانت تنبض قلوبهم بتوحيد الكلمة ولمّ الشعث .
ولكن الّذي يثير العجب أن تظهر - في غضون تاريخ الأُمّة - طائفة توزّع تهمة الابتداع على عامة الفرق الإسلامية دون أن تحاسب كلّ فرقة بخصوصها .
فهذا هو ابن تيمية ( 662 - 728 ه ) يتكلّم في مسألة كلام اللَّه سبحانه فيقول :
ومن تدبّر هذا الباب وجد أهل البدع والضلال لا يستطيلون على فريق منتسبين إلى السنّة والهدى ، إلّا بما دخلوا فيه من نوع بدعة أُخرى ، وضلال آخر ، لا سيما إذا وافقوهم على ذلك ، فيحتجون عليهم بما وافقوهم عليه من ذلك ، ويطلبون لوازمه حتّى يُخرجوهم من الدين إن استطاعوا خروج الشعرة من
رسائل ومقالات — صفحة 458
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص٤٥٨