ولكنّه غفلة عن أنّ الخطاب وإن كان متوجّهاً إليهم ، لكن المقصود الإنسان كلّه ، والآية إشارة إلى قانون اللطف ، أعني : اللطف التكويني الداعي إلى الطاعة والاجتناب عن المعصية ، وهذا النوع من اللطف يشمل حال كلّ إنسان ، فإنّ الجميع مفطورون على حب الإيمان والطهارة والتقوى ، والبراءة من الكفر والذنب من غير فرق بين الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلى يوم البعث .
وبعبارة أُخرى : الميل إلى الإيمان والانزجار عن الكفر ، من خصائص طبيعة الإنسان ما لم تتلوث بعوامل قاهرة ، تغطّي الفطرة الإنسانية ، بأهوائها كالبيت الذي نشأ فيه وبيئة التعليم وغيرهما من العوامل المفسدة .
فمفاد الآية كمفاد قوله سبحانه :
« فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ » .
« 1 »
ففي هذه الآية لم تجعل مسألة « معرفة اللَّه والإيمان به » فقط أمراً فطرياً ، بل وصف الدين بأُصوله ( الأُصول والكليات التي تؤلّف أساس الدين الإلهي ) بكونه فطرياً جبلياً .
ويشهد الواقع على ذلك إذ نرى أنّ أُصول التعاليم التي جاء بها الدين من عقيدة وعمل ، تنطبق على مجموع الاحتياجات الفطرية سواء بسواء . والإمعان في الآية المذكورة يفيدنا أنّ الدين عجن بفطرة البشر عجناً ، فإذا هو منها وإذا هي منه ، وجزء من كيانه . وما يعنى من الدين سوى حب الإيمان وكراهة الكفر والفسق والعصيان .
هامش
( 1 ) . الروم : 30 .