وظاهر قوله سبحانه :
« ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ »
هو انّ السنّة الجارية في الأنبياء الماضين انّهم كانوا إذا حاربوا أعداءهم وظفروا بهم ، ينكلونهم بالقتل ليعتبر به مَنْ وراءهم حتّى يكفّوا عن عدائهم للَّه ورسوله ، وكانوا لا يأخذون أسرى حتى يُثخنوا في الأرض ويستقر دينهم بين الناس ، فعند ذلك لم يكن مانع من الأسر ، ثمّ يعقبه المنّ أو الفداء .
يقول سبحانه في آية أُخرى :
« فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً »
« 1 » .
فأجاز أخذ الأسر ، لكن بعد الإثخان في الأرض واستتباب الأمر .
ثمّ إنّه يستفاد من الآيات الماضية أمران :
الأوّل : انّ الحافز لأكثرهم أو لفئة منهم هو الاستيلاء على عرض الدنيا دون الآخرة كما يشير إليه سبحانه بقوله :
« تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ » .
« 2 »
الثاني : لقد بلغ عملهم من الشناعة درجةً ، بحيث استحقّوا مسَّ عذابٍ عظيم ، غير أنّه سبحانه دفع عنهم العذاب لما سبق منه في الكتاب ، قال سبحانه :
« لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ »
- أخذ الأسرى -
« عَذابٌ عَظِيمٌ » .
فقوله :
« عَذابٌ عَظِيمٌ »
يعرب عن عِظَم المعصية حتّى استحقّوا العذاب العظيم .
فإذا ضمّت الآياتُ بعضُها إلى بعض ، نخرج بالنتيجة التالية :
1 . انّ أكثر المسلمين في غزوة بدر تخاصموا في أمر الغنائم واستولوا عليها بلا استشارة من النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وهذا يحكي عن رغبتهم في الدنيا على نحو يجعلهم
هامش
( 1 ) . محمد : 4 .
( 2 ) . الأنفال : 67 .