المناقشة :
إنّ فضيلة الشيخ يتصوّر أنّ أهل العراق كانوا على رأي واحد ، وكانوا كلهم شيعة الإمام عليه السلام ، وذم الإمام عليه السلام يتوجّه إلى شيعته وتابعيه ، وبذلك استدلّ على أنّ الشيعة خالفوا إمامهم ، ولكنّه لو قلب صفحات التاريخ لوقف على أنّ أهل العراق كانت لديهم أهواء مختلفة ومشارب متنوّعة .
يقول ابن أبي الحديد : إنّ أصحاب علي كانوا فرقتين :
إحداهما : تذهب إلى أن عثمان قُتل مظلوماً وتتولّاه وتبرأ من أعدائه .
والأُخرى - وهم جمهور أصحاب الحرب وأهل الغَناء والبأس - : يعتقدون أنّ عثمانَ قتِل لأحداث أوجبت عليه القتل ، وقد كان منهم من يصرّح بتكفيره . وكل من هاتين الفرقتين يزعم أنّ علياً عليه السلام موافق لها على رأيها ، وتطالبه في كل وقت بأن يبدي مذهبه في عثمان وتسأله أن يجيب بجواب واضح في أمره ، وكان عليه السلام يعلم أنّه متى وافق إحدى الطائفتين باينته الأُخرى وأسلمته وتولّت عنه وخذلته ، فأخذ عليه السلام يعتمد في جوابه ويستعمل في كلامه ما يظن به كل واحدة من الفرقتين أنّه يوافق رأيها ويماثل اعتقادها « 1 » .
والإمام وإن كان يخاطب أهل الكوفة ويذمّهم ، إلّا أنّ المجتمع الكوفي لم يكن آنذاك معقل الشيعة حسب ، بل كانت تتقاسمه اتجاهات مختلفة :
1 - طائفة كانت علويّة الهوى تقاتل مع علي عليه السلام عن عقيدة وثبات بما أنّه خليفة الرسول الذي نصّ على خلافته في يوم الغدير وغيره ، وهم الشيعة الخلّص كعمار بن ياسر ، وحجر بن عدي ، وعمرو بن الحَمِق ، وصعصعة بن صوحان ، وزيد
هامش
( 1 ) . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : 7 / 73 - 74 .