إنّ المسألة الّتي حازت على اهتمام الإمام علي عليه السلام في كلامه المتقدّم ، هي مسألة الإسلام الكبرى ، وما دام الخليفة الثاني أو أي شخص آخر يقود هذا الركب فالإمام عليه السلام يبذل له النصح والمشورة ، وهذه الحقيقة جاءت في كتاب الإمام إلى أهل مصر مع مالك الأشتر لمّا ولّاه إمارتها ، فقال :
فو اللَّه ما كان يُلقى في روعي ولا يخطر ببالي انّ العرب تُزعج هذا الأمر من بعده صلى الله عليه وآله وسلم عن أهل بيته ولا انّهم مُنحُّوه عنّي من بعده ، فما راعني إلّا انثيال الناس على فلان يبايعونه ، فأمسكت يدي حتى رأيت راجعةَ الناس قد رجعت عن الإسلام يدعون إلى محق دين محمد صلى الله عليه وآله وسلم فخشيتُ إن لم أنصر الإسلام وأهله أن أرى فيه ثلماً أو هدماً ، تكون المصيبة به عليّ أعظم من فوت ولايتكم الّتي إنّما هي متاعُ أيام قلائل يزول منها ما كان كما يزول السراب أو كما يتقشع السحاب ، فنهضتُ في تلك الأحداث حتّى زاح الباطل وزهق ، واطمأنّ الدين وتنهنه « 1 » .
وبالجملة فالظروف السائدة آنذاك فرضت على الإمام عليه السلام التعاون معهم والإشارة بالحق والصلاح عند الاستشارة ، والإدلاء بالحق عند طلبه ، وليس في هذا أي مدح لشخص الخليفة ، ولو كان في كلامه تكريم فانّما هو لمقام الخلافة سواء أتقمّصها عمر بن الخطاب أم غيره .
ومنه يظهر وجه كلام الإمام لمّا استشاره عمر بن الخطاب في الخروج إلى غزوة الروم ، فقال الإمام عليه السلام :
وقد تَوكّلَ اللَّهُ لأهل هذا الدين بإعزاز الحوزة ، وستر العورة ، والّذي نصرهم وهم قليل لا ينتصرون ، ومنعهم وهم قليل لا يمتنعون ، حيّ لا يموت . . . الخ « 2 » .
هامش
( 1 ) . نهج البلاغة : الخطبة 62 ، ط عبده .
( 2 ) . نهج البلاغة : الخطبة 130 ، ط عبده .