وقد كان الحوار شعار الأنبياء ، وواقع رسالتهم في التبليغ والدعوة إلى اللَّه ، ومارسه المسلمون وأصحاب الفكر والنظر منهم - خلا بعض الحنابلة كالبربهاريّ ومن تبعه « 1 » - قروناً متطاولة ، وكان شعار الجميع قوله سبحانه :
« قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ »
« 2 »
. *
وقد عرض القرآن الكريم جانباً من مناظرات الأنبياء وحواراتهم ، كما تكفّلت كتب الحديث والتاريخ بعرض جانب آخر منها ، ورائدنا في ممارسة هذا الأسلوب الحضاري هو النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم الّذي نقل لنا التاريخ حواره مع نصارى نجران وخروجه منه ظافراً ، وغير ذلك من الحوارات . « 3 »
وممّا لفتَ نظري في هذه الأيّام ، هو اطلاعي على كتاب « تأمّلات في نهج البلاغة » ، تصدّرته مقدمة لأحد علماء الحنابلة ، يدعو فيها إلى تحكيم لغة الحوار ، ويتمنى شيوعها في الأوساط الإسلامية بعد غيابها في هذه الأيّام ، ويؤكد أن الكتاب الّذي هو بصدد التقديم له أُلِّف على هذا الغرار .
فشكرت اللَّه سبحانه على هذه النعمة ، بالتزام جانب المرونة من أحد علماء الحنابلة ، وكلِّي أمل أن يكون هذا خطوة على طريق الانفتاح على الآخرين ، والتخفيف من سوْرة العنف السائدة في كتاباتهم وأقوالهم وأفعالهم .
وقد وضعتُ هذا المؤلّف لمناقشة ما ورد في الكتاب الآنف الذكر من موضوعات ، مستعيناً باللغة الهادئة والحوار البنّاء .
فأقدم كتابي هذا إلى فضيلة الشيخ صالح بن عبد اللَّه الدرويش ومؤلف
هامش
( 1 ) . راجع كتاب السنة : 71 ، للبربهاويّ .
( 2 ) . الأنبياء : 24 .
( 3 ) . انظر حواره مع الأنصار في غزوة حنين .