يحيى بن معين قال : كتبنا عن الكذّابين وسجّرنا به التنّور فأخرجنا به خبزاً نضيجاً ، ولما توفّي يحيى بن معين في مدينة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وحمل على نعش ، فرأيتهم ينادون : معاشر الناس هذا ذاب الكذب عن رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم كذا وكذا عاماً . « 1 »
وما ذكرناه هذا هو الذي خرج من قلم هؤلاء عفواً ، ولو كانوا بصدد رفع الستر عن الواقع لوقفت انّ الدجل والكذب والوضع شيمة كثير من الرواة والمحدّثين ، غير انّ حبّ الستر حال دون بيان الحقائق .
قال الذهبي : ثمّ من المعلوم أنّه لا بدّ من صون الراوي وستره ، . . . ولو فتحت على نفسي تليين هذا الباب لما سلم معي إلّا القليل ، إذ الأكثر لا يدرون ما يروون ، ولا يعرفون هذا الشأن ، إنّما سُمِّعوا في الصغر ، واحتيج إلى علوّ سندهم في الكبر ، فالعمدة على من قرأ لهم ، وعلى من أثبت طباق السماع لهم ، كما هو مبسوط في علوم الحديث . « 2 »
ويقول أيضاً في كتاب « معرفة الرواة المتكلم فيهم » : لو فتحنا هذا الباب ( جرح الأئمّة ) على نفوسنا ، لدخل فيه عدّة من الصحابة والتابعين والأئمّة ، فبعض الصحابة كفّر بعضَهم . « 3 »
فإذا كتم الحاكم النيسابوري أسامي من دلّس من أئمّة المسلمين ، صيانة للحديث ، ومنع صونُ الراوي وستره ، الباحثَ الكبير مثلَ الذهبي ، عن الإصحار بالحقيقة ، أو تليين هذا الباب - على حدّ تعبيره - فهل تبقى ثقة بالصحاح والمسانيد والسنن ؟ !
هامش
( 1 ) . المجروحين لابن حبان ، ص 56 .
( 2 ) . ميزان الاعتدال : 1 / 4 .
( 3 ) . معرفة الرواة : 45 .