إنّما الكلام في القياس المنطقي وهو الاحتجاج بحكم العقل في الحقل الّذي للعقل فيه إدراك وحكم ، فهو حجة عند الشيعة الإمامية القائلين بالحسن والقبح العقليين دون الأشاعرة نفاة التحسين والتقبيح العقليّين - وتنحصر حجية القول في مجال الاستنباط في مجالين :
الأوّل : إذا استقلّ العقل بحسن شيء أو قبحه مع قطع النظر عن كل شيء يترتّب عليه من المصالح والمفاسد ، فالشيعة على أنّه حجّة في كشف حكم الشارع عليه بالوجوب والحرمة ، وهذا ما يعبّر عنه بالمستقلّات العقلية .
الثاني : إذا كانت إحدى المقدّمتين عقلية ، والأُخرى شرعية كما في باب الملازمات العقلية ، فإنّ العقل يحكم بثبوت التلازم بين وجوب الشيء ووجوب مقدّمته ، وانّ طالب الشيء طالب لمقدّماته أيضاً ، أو يحكم بثبوت التلازم بين الأمر بالشيء وحرمة أضداده ، ويكشف عن أنّ حكم الشرع في كلا الموردين أيضاً كذلك .
ومن الواضح انّه لا يمكن التوصّل بهذا الحكم الكلّي ، أي وجوب الوضوء إلّا بعد تنصيص الشارع بوجوب الصلاة وتوقّفها عليه ، فيقال - إذا أُريد ترتيب القياس وأخذ النتيجة : الوضوء ممّا يتوقّف عليه الواجب ( الصلاة ) ، وهذه مقدّمة شرعية ، وكلّ ما يتوقّف عليه الواجب فهو واجب عقلًا ، وهذه مقدّمة عقلية ، فينتج : الوضوء واجب عقلًا . وهذا ما يعبّر عنه بغير المستقلّات العقلية . نعم يعلم وجوب الوضوء شرعاً بالملازمة بين حكمي العقل والشرع .
ومن عجيب الأمر انّ الفقه السنّي يعمل بالاستقراء والقياس وكلاهما دليلان ظنّيان ولا يأخذ بالقياس المنطقي - الّذي هو دليل قطعي - إلّا في فترات يسيرة .
رسائل ومقالات — صفحة 499
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص٤٩٩