3 . تحذيره العلماء من التردد على بلاط السلاطين
إنّ الشهيد الثاني يحذّر العلماء من التردد على بلاط السلطة الحاكمة ، والخضوع لها ويقول : يجب أن يكون العالم عفيف النفس ، عالي الهمة ، منقبضاً عن الملوك وأهل الدنيا ، لا يدخل إليهم طمعاً ، ما وجد إلى الفرار منهم سبيلًا ، صيانة للعلم عمّا صانه السلف . فمن فعل ذلك ، فقد عرض نفسه وخان أمانته ، وكثيراً ما يثمر عدم الوصول إلى البغية وإن وصل إلى بعضها لم يكن حاله كحال المتعفّف المنقبض ، وشاهده مع النقل ، الوجدان .
قال بعض الفضلاء لبعض الأبدال : ما بال كبراء زماننا وملوكها لا يقبلون منّا ، ولا يجدون للعلم مقداراً ، وقد كانوا في سالف الزمان بخلاف ذلك ؟
فقال : إنّ علماء ذلك الزمان كان يأتيهم الملوكُ والأكابر وأهل الدنيا ، فيُبذلون لهم دنياهم ويلتمسون منهم علمهم فيبالغون في دفعهم وردّ مُنّتهم عنهم ، فصغرت الدنيا في أعين أهلها وعَظُم قدر العلم عندهم ، نظراً منهم إلى أنّ العلم لولا جلالته ونفاسته ما آثره هؤلاء الفضلاء على الدنيا ولولا حقارة الدنيا وانحطاطها لما تركوها رغبة عنها .
ولما أقبل علماء زماننا على الملوك وأبناء الدنيا وبذلوا لهم علمهم التماساً لدنياهم ، عَظُمت الدنيا في أعينهم ، وصغر العلم لديهم لعين ما تقدّم .
وقد سمعت جملة من الأخبار في ذلك سابقاً ، كقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : الفقهاء أُمناء الرسل ما لم يدخلوا في الدنيا ، قيل : يا رسول اللَّه ! وما دخولهم في الدنيا ، قال : اتّباع السلطان ، فإذا فعلوا ذلك فاحذروهم على دينكم . « 1 »
ثمّ إنّ الشهيد يحدد هذه الظاهرة الاجتماعية ويفصّل المذموم عن الممدوح ،
هامش
( 1 ) . منية المريد : 64 .