وهو أمر يؤيّده العقل السليم ويؤكّده المنطق المستقيم .
إنّ الإسلام دين شامل أي أنّه نظام عباديّ وسياسيّ واقتصاديّ واجتماعيّ ، وأنّه على العكس من اليهودية والنصرانية الحاضرة والمبادئ البشرية الوضعية ، ليس إلّا مجموعة متناسقة من المعتقدات والقوانين والأخلاق في شتّى حقول الحياة ، بل وكلّ جزء من هذا الدين هو الآخر خليط مدروس ، ومزيج محسوب من الأبعاد المختلفة ، وتركيب متوازن من الفرد والجماعة ، والعبادة والسياسة والاقتصاد والصحة ، والدنيا والآخرة .
بل العبادة في منطق هذا الدين يتسع نطاقها حتّى تشمل الحياة كلّها وتعمّ جميع الأعمال البشرية إذا كانت لأجل اللَّه ، فلا تقتصر على الشعائر التعبّدية المعروفة من صلاة وزكاة وحجّ ، إنّها تشمل كلّ عمل ترتقي به الحياة ويسعد به الناس .
ولهذا قال النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم لأبي ذر :
« ليكن لك في كلّ شيء نيّة صالحة حتّى في النوم » . « 1 »
فالحجّ كما نكتشف ذلك من الكتاب والسنّة وسيرة السلف وأقوال العلماء المحقّقين لا يتلخّص في كونه موسماً عبادياً - بالمفهوم المألوف عند كثيرين - بل هو إلى جانب ذلك مؤتمر سياسيّ عالميّ وملتقى اجتماعيّ عامّ يوفّر للمسلمين القادمين من شتّى أنحاء المعمورة فرصة التعارف والتآلف واللقاء والانتفاع بعضهم ببعض ، ومداولة أُمورهم ، وحلّ مشاكلهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية في جوٍّ من الأمن والقداسة والصفاء والمحبّة .
وهذا هو ما نبتغي استعراضه والتدليل عليه في هذه الصفحات القلائل مع
هامش
( 1 ) . مدينة البلاغة في خطب النبيّ وكتبه ومواعظه : 1 / 469 .