تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل ومقالات — صفحة 144

مساهمون:

ص١٤٤
بنفسها في العين قوّة باصرة ، وفي الأُذن قوة سامعة ، وفي اليد قوة باطشة ، وفي الرّجل قوّة ماشية ، وهكذا الأمر في سائر القوى التي في الأعضاء ، فبها تبصر العين وتسمع الأُذن وتمشي الرجل . فالنفس مع وحدتها وتجرّدها عن البدن وقواه وأعضائه ، لا يخلو منها عضو من الأعضاء عالياً كان أو سافلًا ، ولا تباينها قوة من القوى مدركة كانت أو محركة ، حيوانية كانت أو طبيعية . إذا عرفت ذلك ، فاعلم أنّه كما ليس في الوجود شأن إلّا وهو شأنه ، كذلك ليس في الوجود فعل إلّا فعله ، لا بمعنى أنّ فعل زيد مثلًا ليس صادراً عنه ، بل بمعنى انّ فعل زيد مع أنّه فعله بالحقيقة دون المجاز فهو فعل اللَّه بالحقيقة . فكما أنّ وجود زيد بعينه أمر متحقّق في الواقع ، منسوب إلى زيد بالحقيقة لا بالمجاز ، وهو مع ذلك شأن من شؤون الحقّ الأوّل ، فكذلك علمه وإرادته وحركته وسكونه وجميع ما يصدر عنه منسوب إليه بالحقيقة لا بالمجاز والكذب . فالإنسان فاعل لما يصدر عنه ومع ذلك ففعله أحد أفاعيل الحقّ الأوّل على الوجه اللائق بذاته سبحانه . « 1 » وفي الحديث القدسي إلماع إلى هذا النوع من النسبة بين الخالق والمخلوق ، قال : « يا ابن آدم بمشيئتي كنتَ أنتَ الذي تشاء لنفسك ما تشاء ، وبقوتي أدّيتَ إليّ فرائضي ، وبنعمتي قوِيتَ على معصيتي ، جعلتك سميعاً بصيراً قوياً » . « 2 » فالأشاعرة خلعوا الأسباب والعلل وهي جنود اللَّه سبحانه ، عن مقام التأثير والإيجاد . كما أنّ المفوّضة عزلتْ سلطانَه عن ملكه وجعلت بعضاً منه في سلطان غيره . والحقّ الذي أيّده البرهان ويصدّقه الكتاب كون الفعل موجوداً بقدرتين ، لكن لا بقدرتين متساويتين ولا بمعنى علّتين تامّتين بل بمعنى كون الثانية من مظاهر القدرة الأُولى وشؤونها وجنودها ،
« وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ »
. « 3 »
هامش
( 1 ) . الأسفار : 6 / 377 - 378 ، وص 374 . ( 2 ) . البحار : 5 / 57 . ( 3 ) . المدثر : 31 .
رسائل ومقالات — صفحة 144 | الشيخ جعفر السبحاني