ومع أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يقرأ ولم يكتب قبل بعثته ولو مرّة واحدة ، ومع ذلك كان المعاندون يتهمونه بوضع الكتاب ونسبته إلى اللَّه ، كما يحكيه سبحانه عنهم :
« وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذا إِلَّا إِفْكٌ افْتَراهُ وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جاؤُ ظُلْماً وَزُوراً * وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا »
« 1 » .
فهو على رغم انّه لم يقرأ ولم يكتب ، اتّهموه - ظلماً - بوضع الكتاب ودسّه ونسبته إلى اللَّه ، فكيف إذا كان ممارساً للقراءة والكتابة أمام الناس منذ طفولته إلى شبابه ثمّ كهولته ؟ !
إنّ سلب نعمة الكتابة والقراءة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كسلب نضد الشعر عنه ، يقول سبحانه :
« وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ »
« 2 » .
وينبغي الإشارة إلى أنّ سلب القراءة والكتابة لا يعني عدم علمه بأسرار الكون ورموزه وما يسود عليه من نظام وقوانين ، بل انّ اللَّه سبحانه قد أوقفه على حقائق الموجودات من طريق آخر غير الكتابة والقراءة ، وبذلك انتفت الحاجة إليهما ، وقد عرفت ما في كلام أمير المؤمنين عليه السلام في حقّه صلى الله عليه وآله وسلم لما قال : « ولقد قرن اللَّه من لدن أن كان فطيماً أعظم ملك من ملائكته يسلك به طريق المكارم ومحاسن أخلاق العالم ليله ونهاره » . « 3 »
وكفى في علم النبي صلى الله عليه وآله وسلم انّه سبحانه وصف علمه بالعظمة ، وقال :
« وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً »
« 4 »
.
هامش
( 1 ) . الفرقان : 4 - 5 .
( 2 ) . يس : 69 .
( 3 ) . نهج البلاغة ، الخطبة 192 .
( 4 ) . النساء : 113 .