الضغن فقال أبو سفيان بن حرب : لا تنتهي هزيمتهم دون البحر ، وصرخ جبلة بن حنبل : ألا بَطَلَ السحرُ اليوم . . . « 1 » .
أفبعد هذا يصح أن يعدّ جميع الصحابة ، بحجة أنّهم رأوا نور النبوة ، عدولًا أتقياء ؟
قال القرطبي في تفسيره : قد فرّ الناس يوم « أُحد » وعفا اللَّه عنهم وقال اللَّه فيهم يوم حنين :
« ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ »
ثمّ ذكر فرار عدّة من أصحاب النبي من بعض السرايا « 2 » .
هذه هي الأصناف العشرة من صحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ممّن لا يمكن توصيفهم بالعدالة والتقوى ، أتينا بها في هذه العجالة .
ولكن نلفت نظر القارئ الكريم إلى الآيات الواردة في أوائل سورة البقرة وسورة النساء وغيرها من الآيات القرآنية فيرى فيها أنّ الإيمان بعدالة الصحابة بأجمعهم خطأ في القول ، وزلّة في الرأي ، يضاد نصوص الذكر الحكيم ، ولم يكن الصحابة إلّا كسائر الناس فيهم صالح تقي بلغ القمة في التقى والنزاهة ، وفيهم طالح شقي سقط إلى هوّة الشقاء والدناءة . ولكن الذي يميّز الصحابة عن غيرهم أنّهم رأوا نور النبوّة وتشرّفوا بصحبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وشاهدوا معجزاته في حلبة المباراة بأمّ أعينهم ، ولأجل ذلك تحمّلوا مسؤولية كبيرة أمام اللَّه وأمام رسوله وأمام الأجيال المعاصرة لهم واللاحقة بهم ، فإنّهم ليسوا كسائر الناس ، فزيغهم وميلهم عن الحق أشد ولا يعادل زيغ أكثر الناس وانحرافهم . وقد قال سبحانه في حق أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم :
« يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ »
« 3 » فإن انحرف هؤلاء فقد انحرفوا في حال شهدوا النور ، ولمسوا الحقيقة ، وشتان بينهم وبين غيرهم .
هامش
( 1 ) . سيرة ابن هشام : 3 / 11 و 4 / 444 ، ولاحظ التفاسير .
( 2 ) . تفسير القرطبي : 7 / 383 .
( 3 ) . الأحزاب : 32 .