يطيعوا أمركم ، وأن ينفذوا لطاعتكم ، وأن يخلصوا في الدعاء ، وأن يمحضوا النصيحة ، وأن يضمروا غاية المحبة ، وأن يعملوا في كف الغل والحسد ، وأن لا يرضوا من أنفسهم بالنفاق ، وأن يعلموا أن الحسد لا يقع إلا بين الأشكال ، وأن التنافس لا يكون إلا مع تقارب الحال .
وقد كان يقال : لا يزال الناس بخير ما تفاوتوا ، فإذا تقاربوا هلكوا .
وكان يقال : ثلاثة توجب الضغن وتكثر من الغل : المجاورة في المنزل ، والاستواء في النسب ، والمشاكلة في الصناعة .
ولذلك قال شبيب بن شيبة لرجل ادعى محبته ونصيحته : « وكيف لا يكون كما وصفت وكما ذكرت ، ولست بخطيب ، ولا جار قريب ، ولا ابن عم نسيب » .
وقال بعض الحكماء : لو لم تعرفوا من لؤم الحسد إلا أنه موكل بالأدنى فالأدنى . وليس يقع ذلك بين المتباينين ، ولا يجوز في المتقاربين .
ولا يكون الطلب إلا بالطمع ، ولا يكون الطمع إلا بالسبب . فإذا انقطع السبب انقطع الطمع ، وفي عدم الطمع [ عدم ] الطلب . وكيف يتكلف الطيران من لا جناح له ، وكيف يرجو صلاح أمر العامة وترتيب الخاصة من عجز عن تدبير بيته ، وقصر عن تدبير عبده ؟ ! وإنصاف اللسان قليل ، وإنصاف القلب أقل منه .
ونحن نرغب إلى اللّه في صلاحهم ، فإن في صلاحهم صلاح قلوبنا لهم .
وقد جعل اللّه الشكر موصولا بالمزيد ، ومن الشكر على نعمة اللّه علينا بكم أن نعظم ما عظم اللّه من أمركم . ومن صغر ما عظم اللّه فقد عظم ما صغر اللّه .
ولا يفعل ذلك إلا الصغير القدر ، والخامل الذكر ، والجاهل بالأمر .
وكيف لا تكونون على ما خبرت وكما وصفت ، وقد أغنيتم من العيلة ، وآنستم من الوحشة ، وجمعتم الشمل ، وأعدتم الألفة ، ورددتم الظلامة ، وأحييتم
رسائل الجاحظ — صفحة 212
مساهمون: الجاحظ
ص٢١٢