هذا هو السبب في خلط مسائل الكلام بمذاهب الفلسفة في كتب المتأخرين كما تراه في كتب البيضاوي والعضد وغيرهم
26
وجمع علوم نظريات شتى وجعلها جميعا علما واحدا ، والذهاب بمقدماته ومباحثه إلى ما هو أقرب إلى التقليد من النظر فوقف العلم عن التقدم .
ثم جاءت فتن طلاب الملك من الأجيال المختلفة ، وتغلب الجهال على الأمر ، وفتكوا بما بقي من أثر العلم النظري النابع من عيون الدين الإسلامي ، فانحرفت الطريق بسالكيها ، ولم يعد بين الناظرين في كتب السابقين إلا تحاور في الألفاظ أو تناظر في الأساليب ، وعلى أن ذلك في قليل من الكتب اختارها الضعف وفضلها القصور
27
. ثم انتشرت الفوضى العقلية بين المسلمين تحت حماية الجهلة من ساستهم ، فجاء قوم ظنوا في أنفسهم ما لم يعترف به العلم لهم فوضعوا ما لم يعد للإسلام قبل باحتماله ، غير أنهم وجدوا من نقص المعارف أنصارا ، ومن البعد عن ينابيع الدين أعوانا ، فشردوا بالعقول عن مواطنها ، وتحكموا في التضليل والتكفير ، وغلوا في ذلك حتى قلدوا بعض من سبق من الأمم في دعوى العداوة بين العلم والدين ، وقالوا لما تصف ألسنتهم الكذب : هذا حلال وهذا حرام ، وهذا كفر وهذا إسلام ، والدين من وراء ما يتوهمون ، واللّه جل شأنه فوق ما يظنون وما يصفون
28
. ولكن ما ذا أصاب العامة في عقائدهم ومصادر أعمالهم من أنفسهم بعد طول الخبط وكثرة الخلط ؟ شر عظيم ، وخطب عميم .
هذا مجمل من تاريخ هذا العلم
29
ينبئك كيف أسس على قواعد من الكتاب المبين ، وكيف عبثت به في نهاية الأمر أيدي المفرقين حتى خرجوا به عن قصده ، وبعدوا به عن حده .
والّذي علينا اعتقاده أن الدين الإسلامي دين توحيد في العقائد ، لا دين تفريق في القواعد ، والعقل من أشد أعوانه ، والنقل من أقوى أركانه ، وما وراء ذلك فنزعات شياطين ، وشهوات سلاطين ، والقرآن شاهد على كل بعمله ، قاض عليه في صوابه وخطله .
رسالة التوحيد — صفحة 21
مساهمون: الشيخ محمد عبده
ص٢١