وقوله تعالى :
وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ
« 1 » ولا شكّ أنّ العفو عن فعل نفسه لا معنى له ، بل إنّما هو عن فعل غيره فعلا مختارا .
الدليل الخامس : كلّ ما دلّ من الآي على الإنكار على العباد ،
كقوله تعالى :
لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ
« 2 »
والإنكار إنّما يكون على الفعل الاختياريّ ، دون العزم والفعل الجبري .
الدليل السادس : ما دلّ على تفويض الفعل إلى مشيّة العباد ،
وهو معنى كونه اختياريّا ، ولا معنى لتفويض العزم إلى المشيّة ، فإنّ العزم نوع مشيّة ، على أنّه لا يجري في قوله :
فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ
« 3 » لما علمت من أنّ العزم على الإيمان والعزم على الكفر لا يغاير الإيمان والكفر .
الدليل السابع : ما دلّ على الإنكار على الّذين نفوا عن أنفسهم الاختيار ، وفوّضوا أفعالهم القباح إلى مشيّة اللّه - عزّ وجلّ -
كقوله :
وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ
« 4 »
الدليل الثامن : ما امر فيه بالمسارعة والاستباق إلى الطاعات ،
كقوله تعالى :
وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ
« 5 » وقوله :
فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ
« 6 »
والمسارعة والاستباق إنّما يكون في الأفعال الاختياريّة ، ولا تجوز إرادة المسارعة والاستباق إلى العزم ، فإنّه لا يفيد ثوابا ولا عقابا ، ولا يستلزم الفعل ، لجواز حصول الكراهة بعده ، فافهم .
الدليل التاسع : ما دلّ على الأمر بالأفعال ،
ولا يتصوّر الأمر بما لا يكون باختيار المأمور ، وليس العزم كافيا في الامتثال ليقال : إنّ المأمور به هو العزم ، إذ يجوز انتفاض العزم .
الدليل العاشر : إنّ اللّه تعالى أمر بالاستعانة باللّه والاستعاذة من الشيطان ،
ولو كان اللّه مضلّا فكيف [ تجب ] الاستعانة ؟ بل تجب الاستعاذة منه ، تعالى عن ذلك علوّا كبيرا ،
و
هامش
( 1 ) آل عمران : 31 .
( 2 ) آل عمران : 71 .
( 3 ) الكهف : 29 .
( 4 ) الزخرف : 20 .
( 5 ) آل عمران : 133 .
( 6 ) البقرة : 148 ، المائدة : 48 .