وفيه : أنّهم ما أثبتوا القاعدة بهذه الأمثلة ، بل إنّما أثبتوها بما زعموه برهانا ، وإنّما ذكروا هذه الأمثلة مؤيّدات .
الدليل التاسع :
إنّه إذا لم يستحقّ المطيع ثوابا ، ولا العاصي عقابا لكون الإطاعة والمعصية فعل اللّه تعالى ولا يجب على اللّه شيء ، لجاز أن يعذّب سيّد المرسلين بالعذاب الدائم ، ويثاب إبليس وفرعون وهامان بالثواب الدائم ، وحينئذ فلا فائدة للطاعة ، ولا مضرّة للمعصية ، فيكون الزاهد سفيها ، ويختلّ الشرع والنظام ، ويكون الإرسال والإنزال عبثا وسفها .
قيل في الجواب :
إنّا إنّما ندّعي أنّ الإطاعة والمعصية بالذات لا يوجبان الثواب والعقاب ، وأمّا بعد التكليف فالطاعة صارت علامة وسببا مرجّحا للثواب وإن لم ينته الترجيح إلى حدّ الوجوب ، وكذا المعصية صارت سببا مرجّحا للعقاب وإن لم ينته إلى حدّ الوجوب ، وأمّا جواز وقوع العقاب للمطيع والثواب للعاصي فقد اضمحلّ في طراد « 1 » وجوب الوفاء بالوعد والوعيد .
هذا ما زجّاه من الأكاذيب الفاسدة وروّجه من البضائع الكاسدة .
وأقول : فيه شرود عن الإصابة من وجهين ؛ أمّا أوّلا : فلأنّ الترجيح الغير المنتهى إلى حدّ الإيجاب لا يفيد ، إذ لا يدرأ جواز خلافه ، فعاد ما قلنا من جواز عقاب المطيع وإثابة العاصي ، فعاد المحذور بحذافيره . « 2 »
وأمّا ثانيا : فلأنّ ما ذكره من وجوب الوفاء بالوعد والوعيد ذهول عن أصله وعقيدته ، فإنّه لا يجب على اللّه في أصلهم شيء فيجوز أن لا يفي بما وعد أو أوعد ، فعاد المحذور .
الدليل العاشر :
إنّه لو كان اللّه تعالى خالقا للمعاصي والكفر والضلال لجاز أن تكون الأنبياء كلّهم كاذبين ، نصرهم اللّه بالمعجزات إضلالا للناس ، لما جرت عادته
هامش
( 1 ) أي في وجوب
( 2 ) أي بتمامه .