أيضا حاصل هاهنا ، لأنّه وسيلة إلى دفع الألم ، وإنّما المفقود فيه هو الشوق الجبلّي .
وأمّا ثالثا : فلأنّه لم يفرق بين قولهم : أراد كذا ، وأراد من فلان كذا ، إنّ اللّه لا يقال : أراد من الثلج البياض ، فإنّه لا يطلق ذلك إلّا إذا كان مدخول « من » مختارا في ذلك المراد ، كما يقال : أراد من زيد الإيمان ، وأمّا نحو بياض الثلج فإنّما يقال : أراد بياض الثلج ، وكم بين المعنيين من فرق لا يخفى إلّا على من هام فلم يستفق .
الدليل الثامن :
إنّه يلزم أن يكون اللّه تعالى سفيها ، تعالى عن ذلك علوّا كبيرا .
بيانه : أنّه يأمر بما لا يريد ، وينهى عمّا يريد ، وإنّا نعلم ضرورة أنّ من أمر منّا بشيء لا يريده أو يريد تركه ، أو ينهى عمّا لا يكرهه أو يريده يعدّ سفيها .
قيل في الجواب :
إنّا لا نسلّم أنّ الأمر بما لا يريد والنهي عمّا يريد سفه ، إنّما يكون سفها لو لم تكن فيهما مصلحة أخرى كإظهاره المطيع من العاصي ، وإقامة الحجّة على الكافر والعاصي ، ألا ترى أنّه يجوز أن يأمر السيّد عبده بما يريد منه أن لا يفعله ، وذلك إذا هدّده ملك لضربه العبد ، فاعتذر إليه أنّه يعصيه فيما يأمره ، وكذا يجوز أن يأمر السلطان أعداءه بأمر ليعصوه فيقوم عليهم الحجّة ، فيجازيهم ، وغير ذلك من المصالح الّتي تصلح لأن تكون للأمر والنهى .
انتهى ما تمحّلوه هؤلاء الهائمون الّذين هم للباطل يشرعون ، وعن الصدق إلى المين يسرعون .
وفيه وجوه من الخبث : أمّا أوّلا : فلأنّك قد علمت أنّ الطاعة إنّما تكون بما يراد ، والمعصية بما لا يراد بل يكره ، فالأمر والنهي لحكمة إظهار المطيع من العاصي إنّما يتصوّر إذا أريد بالأمر المأمور به ، وكره بالنهي المنهيّ عنه ، وإلّا لم يتحقّق الإطاعة والعصيان ضرورة .
وقال بعض من قارب أواننا هذا في ردّ هذه الفقرة :
إنّ المستدلّ ادّعى الضرورة في الحكم باستحالة الأمر بما لا يراد والنهي عمّا يراد من العاقل ، فلا يسمع ما يدّعيه المجيب ، فإنّه في مقابلة الضرورة ، ولا تسمع دعوى تقابل الضرورة .