وأنت خبير بأنّه لا يسمن ولا يغني من جوع ، فإنّ المجيب إنّما يقول : إنّ الضرورة إنّما تقتضي كون الآمر بما لا يريده ولا يريد فيه مصلحة ، والناهي عمّا يريده ولا يريد بالنهي مصلحة سفيها ، لا مطلق الآمر بما لا يريد ، والناهي عمّا يريد ؛ ومثل هذه الدعوى تسمع ، وليس هو في مقابلة الضرورة ، ومن ادّعى عموم الضرورة لم يسمع ادّعاؤه ، فالوجه في الردّ ما ذكرنا ، فقه . « 1 »
وأمّا ثانيا : فلأنّا لا نسلّم أنّه قد تحقّق في هذه المقامات أمر حقيقة ، بل الحقّ أنّ الموجود إنّما هو صيغة الأمر بلا معناه ، وأمّا أوامر اللّه تعالى فليست كذلك اتّفاقا .
وأمّا ثالثا : فلأنّ المدّعى إنّما يثبت لو كان في هذه المقامات طلب فعل ولا تكون إرادة ، إذ لو لم يكن طلب الفعل ولا تكون إرادة لا يفيد هاهنا ، فإنّ اللّه تعالى قد طلب الأفعال ومع ذلك لم يردها ، ووجود طلب الفعل هاهنا ممنوع ، وإذا لم يكن طلب الفعل لم يكن من موضع النزاع .
قيل في ردّ هذا الجواب :
إنّه لا يجوز أن لا يكون الأمر هنا لطلب الفعل ، فإنّه لا يخلو :
إمّا أن يكون باقيا على حقيقته ومع ذلك لم يرد الطلب ، وذلك ظاهر الفساد ، فانّه حينئذ يكون غلطا .
أو لا يكون باقيا على حقيقته بل يكون مجازا ، فلا بدّ له من قرينة ، ولو نصبت لأخلّت بالمقصود ، فإنّه حينئذ يعلم العبد مصلحة الأمر فيطيع ، فيختلّ ما قصده المولى من الاعتذار .
وأنت تعلم أنّه لا يجب أن تنصب قرنية لفظية يفهمها العبد ، بل تكفي الحاليّة الّتي لا يفهمها سوى المولى والملك ، وهو في غاية الظهور .
وأمّا رابعا : فلأنّهم أثبتوا القاعدة الكلّيّة ، وهي أنّ أوامر اللّه تعالى ونواهيه كلّها بالنسبة إلى العصاة لم تلاحظ فيها الإرادة بهذه الأمثلة الجزئيّة الّتي ذكروها ، وهذا غير جائز .
هامش
( 1 ) من الوقاية أي فاحفظه .