الفاعل اتي باسم الفاعل ، وإذا نسب إلى المفعول اتي باسم المفعول ، يقال : « ضارب » للفاعل ، و « مضروب » للمفعول ، وهذا ممّا لا يشكّ فيه المبتدءون في الصرف ، فضلا عن الكاملين في الكلام .
وأمّا نسبة الفعل بصيغة اسم الفاعل إلى غير الفاعل فممّا لا يشهد به عقل ولا نقل . وأمّا البياض والسواد والعلم وغيرها فهي أيضا إنّما تقوم بفاعلها وهو المبيّض والمسوّد والعالم ، لا من أوجد البياض والسواد والعلم ، فإنّه إنّما يكون فاعلا للتبييض والتسويد والتعليم ، وهذا ممّا لا يشكّ فيه عاقل .
وبالجملة ، فقد ظنّ هذا الفاضل أنّ المراد بالفاعل هو الموجد ، وليس كذلك ، بل المقصود ما ذكرنا ، وإذا كان كذلك فلا شبهة في أنّ فاعل الزنا والسرقة والظلم على مذهبهم ليس إلّا اللّه القدّوس ، فيلزم أن يكون هو الزاني ، وهو السارق ، وهو الظالم - تعالى عمّا يقول الظالمون علوّا كبيرا .
فافهم هذه الجملة ، فإنّ من وعاها فوقاها وقي من حرّ نار عنادهم ، وصرّ رياح لدادهم . « 1 » أعاذنا اللّه وسائر عباده المخلصين من شرّهم وسرّهم وحرّهم وقرّهم وضرّهم ومرّهم وصرّهم .
وأمّا ثانيا : فلأنّه « 2 » توهّم أنّ قولهم : « إنّ اللّه هو المتكلّم » مبنيّ على أنّ المتّصف بالشيء موجده لا من قام به ، وذلك بهتان مبين ، فإنّ الحقّ في تقرير مرامهم وتحرير كلامهم - على ما حقّقناه في بعض المواضع - أنّه لا شبهة في أنّه لا يمكن إطلاق المتكلّم حقيقة على اللّه تعالى ، سواء جعل الكلام نفسيّا أو لفظيّا .
أمّا اللفظي فظاهر ، وأمّا النفسي فلأنّ لفظ الكلام إنّما يطلق حقيقة على ما يتكلّم به ويلفظ ، لا ما يقصد ويضمر . وما ادّعوه من كونه حقيقة فيه هذر ، واستشهادهم بقول الشاعر « 3 » إمارة محجوبيّتهم .
هامش
( 1 ) أي خصومتهم ، قال اللّه تعالى :قَوْماً لُدًّاأي شديد الخصومة .
( 2 ) أي شارح المقاصد .
( 3 )إنّ الكلام لفي الفؤاد وإنّما * جعل اللسان على الفؤاد دليلا